تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
أنّ هذه النظريات هي نفسها التي تحكي عنها الآيات ، نتيجة تأثير هذا التشابه التعبيري عليهم ، إلى جانب ازدياد نسبة غيابنا عن اللغة العربيّة التي نزل بها الكتاب الكريم . من هنا ، يتمّ إسقاط المعطى الفلسفي على الآيات وليس العكس ، في الوقت نفسه الذي نتصوّر فيه أنّنا نسقط المعطى القرآني على الفلسفة أو نكتشف المعطى القرآني من خلال الفلسفة ، ممّا يخلق وهم المصالحة بين النصّ والعقل ، وهذه نقطة بالغة الخطورة ، فنتصوّر الملكوت الوارد في القرآن بأنّه ملكوت الفلاسفة والعرفاء وأنّ القرآن يحكي عن أفكارهم ، دون أن يكلّف أحدنا يوماً نفسه بمراجعة اللغة والتاريخ ! ونتصوّر أنّ علم اليقين وعين اليقين في سورة التكاثر هو نفسه عين وعلم وحقّ اليقين الصوفي والفلسفي ، ونتصوّر التدلّي الذي تكلّمت عنه سورة النجم بأنّه المعاني التي استخدمها العرفاء والفلاسفة . وبذلك يتمّ هجر الفضاء التداولي التعبيري القرآني وإخضاعه - من حيث لا نشعر - لفضاء مختلف ولد بعد قرون من نزول القرآن الكريم ، وليس هذا في القرآن فقط ، بل قد جرى ذلك كثيراً في التعامل مع الحديث الشريف أيضاً ، والمجال لا يسع التفصيل وقد تكلّمنا عن هذا مراراً . ولا يعني ذلك أنّ بعض النظريات الفلسفيّة التي اكتشفت لاحقاً لم تساعدنا في تحصيل فهم أوضح وأعمق للنصّ القرآني ، فللفلسفة والعلوم العقليّة عامّة فضلٌ عظيم علينا في فهم الكثير من النصوص ، لكنّ المهم هو أن نعرف الآليّة الدقيقة في عمليّة بناء العلاقة التفسيرية بين النصّ والفلسفة . . هذا هو مركز القصد والكلام .