لكنّ المشكلة في فهم الإهانة والسبّ والتجريح ، وتحديد مديات وحدود هذه المفاهيم ، فإنّ واقعنا الحالي المتشنّج باتت تلتبس الأمور فيه حدّاً تتداخل المفاهيم وتتواشج ، ولم تعد هناك حدود فاصلة بينها ، فلو قال شخصٌ : أنا أحترم النبيَّ لكنّني أخطّئه في الأمر الفلاني من أمور الحرب والسياسة ، عدّ ذلك إهانة وتجديفاً ، مع أنّ هذا التعبير ليس فيه إهانة بحسب ذاته حتى لو كان خاطئاً .
إنّ سلبيات الواقع الإسلامي خرقت كلّ الحدود المفاهيمية للأفكار والمقولات ، فاختلط كلّ شيء بكلّ شيء ، ففي المقابل لو صدرت من شخص إهانة حقيقية بحقّ النبي جارحاً مشاعر مليار مسلم ، لسمعنا فريقاً يتحدّث عن الحريّات . فكثير من أساليب التعبير العادية يعدّها بعض إهانة بسبب الجوّ المتشنّج ، فيما يراها بعض أمراً عادياً ، والعكس صحيح .
ففي المثال الذي ذكرتموه حول الكاتب الكويتي الدكتور أحمد البغدادي في تعبيره بكلمة الفشل ، نحن نجد قلقاً عامّاً ، وإلا فهذا التعبير يمكن أن يكون من وجهة نظر أخرى أمراً غير مهين للدين ، وعلى سبيل المثال فقد استخدم الإمام محمد باقر الصدر رحمه الله - وهو العالم الديني المحافظ المتديّن الإسلامي المعروف - نفس هذه التعابير في حقّ من يراهم معصومين كالنبي عنده ، لكن في تلك الفترة حيث لم تكن درجة الحساسيّة عالية ، ولم تقع الأمور في سياق تصفوي وتصارعي بين التيارات ، مرّت هذه التعابير بطريقة عادية ، ولكنّها اليوم وبسبب الجوّ الخانق تصبح ذات دلالات سلبيّة .
إنّ محمد باقر الصدر يقول : ( . . وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطميّة من أصولها - أو ما يصحّ أن يعتبر من أصولها - فعلينا أن ننظر نظرةً شاملةً عميقةً لنتبيّن حادثين متقاربين في تأريخ الإسلام ؛ كان أحدهما صدىً للآخر وانعكاساً
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 479
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧٩