تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
لأنّ جميع هذه النظريّات تقرّ وتعترف وتستبطن فقر المعلول للعلّة ، أي حاجته لها ؛ ولهذا بحثوا جميعاً عن سرّ حاجة المعلول للعلّة ، فقال بعضهم : إنّ السر هو حدوثه الزماني ، وقال آخرون : إنّ السرّ هو حدوثه الذاتي ، وقال الصدرائيّون : إنّ السر هو فقره الوجودي ، وقال آخرون غير ذلك ، فالآية متساوية النسبة للجميع . وليس إذا كانت الآية قد استخدمت كلمة الفقراء فهذا يعني صحّة نظرية الفقر الوجودي قرآنيّاً ، كما قد يبدو لبعض قرّاء الفلسفة المعجبين ببعض المدارس الفلسفيّة ؛ لأنّ هذا الاستخدام جاء من طرف الصدرائيين بعد نزول الآية وليس العكس ، والتسمية مجرّد اعتبار وتواضع ، فبإمكان الصدرائيّين أن يسمّوا نظريّتهم بنظرية التعلّق المحضّ ونظريّة الظلّ أو أيّ تسمية أخرى أرادوا . نعم ، لو قام أحد الفرقاء هنا بإثبات أنّ نظريّته هي التي تحقّق الفقر ، وأنّ النظريات الأخرى تثبت غنى المعلول عن العلّة وغنى الخلق عن الله وعدم حاجتهم له . . لاستطاع أن يدّعي بأنّ سائر النظريّات لا تحكي عنها الآية ؛ لأنّ الآية تحكي عن الفقر وليس عن الغنى ، فأيّ نظرية فلسفيّة لا تعطي نتيجة الفقر ( وليس مجرّد مصطلح الفقر ) فهي مردودة قرآنيّاً ، وهذا غير أن نقول بأنّ هذه الآية تثبت نظرية صدر المتألهين في بيان فلسفة العلاقة بين الخالق والمخلوق ، وأنّها الفقر الوجودي المحض . وانطلاقاً من لُبس المصطلح والتعبير ، قلنا مراراً بأنّ أزمة بعض المدارس الفلسفيّة التي حاولت التقارب مع النصّ هي أنّها قامت أحياناً باقتباس التعابير الموجودة في النصوص وتسمية نظريّاتها بها ، وقد لا يكون هذا بالأمر الضائر ، بل المشكلة تكمن في أنّ بعض متعلّمي الفلسفة باتوا يتصوّرون - بعد مرور زمن -