تحوّل الواقع إلى تيارات أتت من أفكار وغيرها ، والتيارات تعتبر قوى نافذة على الأرض ، وتعدّد القوى النافذة في ظلّ وضع غير سويّ على مستوى المشاركة السلطوية عموماً في العالم الإسلامي - بالمعنى العام للسلطة - يفضي إلى تصارع يبدو أحياناً غير منطقي ، فلو كنّا في بلدان مستقرّة لا يعيش أحدٌ فيها الخوف على الوجود والعنوان ، لكان التنازع بين التيارات مؤطّراً بالأطر الطبيعية العامّة التي تحكم المجتمع عموماً ، أمّا عندما نكون في بلدان غير مستقرّة كأكثر بلداننا الإسلاميّة ، فإنّ التنازع بين التيارات سوف يفضي عادةً إلى صراعات أشدّ ، لا سيما ونحن نتكلّم عن تيارات دينية أيديولوجيّة . واشتدادُ الصراع يفضي إلى قطيعة ، والقطيعة تفضي إلى التركيز على الخصوصية الفئوية ، بمعنى أنّه عندما يتمّ التنافس السلبي بين التيارات فإنّ كلّ تيار يحاول أن يقطع علاقته بالتيارات الأخرى ، والعلاقات المقطوعة سياسياً وفكرياً واجتماعياً و . . تؤدّي عادةً إلى سعي كلّ فريق للحفاظ على خصوصيّته ، فيزيد كلّ فريق من لون امتيازه عن الآخرين ويقلّل من العناصر التي تؤدّي إلى تشاركه مع الآخرين ، وهذا ما يؤدّي بطبعه أيضاً إلى أن تجد تشديداً على أمر غير ثابت أو فيه كلام لا لشيءٍ إلا لأجل الامتياز عن التيارات الأخرى التي نواجه معها معركة نفوذ أو وجود ، ولهذا أنت تجد أنّه كلّما اشتدّ الخصام بين المذاهب والتيارات الدينية زادت نسبة العادات والأعراف والمفاهيم التمايزية وقلّ رونق المفاهيم والأعراف المشتركة ، وهذا بالضبط ما حصل تاريخياً وإلى يومنا هذا مع المذاهب الإسلاميّة عموماً تقريباً .
بل نحن نجد التنظير لمخالفة الآخر المذهبي وأنّ الرشد في خلافه ، وأنّه يجب ترك كذا وكذا لأنّ أنصار هذا المذهب يفعلونه ، ويجب فعل كذا وكذا ، لا لأنّه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 462
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٦٢