أن تطاله عملية النقد والهدم بعد ذلك ، فكما أنّك تضع خطوطاً دفاعيّة متعدّدة لكي تحمي العمق ، بل قد تذهب ناحية أراضي الآخرين لتحمي نفسك من تقدّمهم العسكري نحوك ، كذلك الحال هنا ، هناك من يضخّم من تضعيف هذا الحديث أو ذاك ، أو هذه القضية الفقهية أو تلك ، أو هذا الرأي الفلسفي أو ذاك ؛ لأنّه يريد بذلك - ولو من حيث لا يشعر - أن يحمي المنظومة القابعة خلف هذا التفصيل ، فإنّ الكثير من التفاصيل تقوم بدور حماية المراكز الكبرى في المنظومات الفكريّة .
ولهذا السبب تجد أنّه في ظرفٍ زمني معيّن يمارس القلقون أنفسهم نقداً شبيهاً بهذا الذي خافوا منه ، فالمحافظون نقدوا بأنفسهم في مرحلةٍ زمنية الكثير من الموروث ، لكنّهم اليوم شعروا بالخوف من استلام آخرين لدفّة النقد هذه ، واستمرار الآخرين بها ، بحيث أوجب ذلك قلقاً على ما تبقّى من المنظومة ، ولهذا تجد اليوم أنّ الكثيرين من أنصار الشيخ المطهري أو السيد الصدر أو الشيخ محمد عبده أو غيرهم يخشون من ذكر بعض أفكارهم ، رغم أنّهم كانوا يروّجون لها في الماضي القريب ، لماذا ؟ لأنّ الوضع انقلب من مرحلة الإحساس بالأمان إلى الشعور بالخوف على الذات بفعل تراجع أوضاعنا الدينية وتنامي المدّ العلماني الناقد للمنظومة الدينية من الداخل ، وهي مرحلة جديدة من الصراع العلماني الديني شهدناها في العالم العربي والإسلامي ، وهي غير النقد العلماني المخارج لهذه المنظومة ، فالعلمانيون اليوم أخذ فريقٌ منهم بنقد الفكر الديني بواسطة إعادة إنتاج فهم جديد له ، وليس فقط بواسطة نقد خارجي عليه ، وهذا كالفرق بين من يقتحم صفوف العدوّ برّياً ، وبين من يقصفهم من بعيد .
2 - عدم الثقة بمن يدير المشاريع النقدية والإصلاحيّة والفكريّة الجديدة ،
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 460
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٦٠