* هناك معنيان للفقر :
أ - المعنى الفلسفي المصطلحي الخاص ، وهو المعنى الذي طرحته مدرسة الملاصدرا الشيرازي رضوان الله عليه ، والمأخوذ في جوهره من الاتجاهات العرفانية والصوفيّة ومدارس وحدة الوجود ونظريات التجلّي وغير ذلك ، والتي سبقت هذه المدرسة الفلسفيّة ، وليس هذا المعنى شيئاً جديداً ابتكره صدر المتألهين ، وهو يقع في سياقٍ مقابل للنظريّات التي طرحت في بيان وجه حاجة المعلول إلى العلّة وطريقة العلاقة بينهما ، فالمعلول ليس سوى محض الفقر والتعلّق بالعلّة الفاعلية الوجوديّة الحقيقيّة ، وهو في مقابلها لا شيء أو كأنّه لا شيء غير العلّة نفسها في رتبة من رتب وجودها ، كالوجود المرآتي الذي ليس شيئاً آخر غير الشخص الواقف مقابل المرآة ، فليس هناك شيئان مستقلان ونحن نربط أحدهما بالآخر بحبل بحيث يحتاج الأوّل للثاني ، وإنّما هما أشبه بشيء واحد ، أشبه بالصورة في المرآة ، وبالظلّ لصاحب الظلّ وهكذا .
ب - المعنى العام ، وهو المعنى اللغوي ، ويعني المحتاج الذي لا يملك الشيء ويحتاج إلى غيره في الحصول على هذا الشيء ، فزيدٌ فقير إلى عمرو ، يعني أنّ زيداً محتاج لعمرو في أمرٍ من الأمور أو في كلّ أمور حياته ، في مقابل الغنيّ عنه ، بمعنى أنّه غير محتاج إليه ، ف - ( الفقير إلى ) تقف على الطرف المناقض ل - ( الغني عن ) . .
وهذا المعنى اللغوي والعام تريده الآية الكريمة ، فهي تؤكّد على حاجة الخلق إلى الله في كلّ شيء ، في مقابل استغناء الله عن الخلق في كلّ شيء . وهذا المعنى للآية لا فرق فيه بين أن نقول بأنّ سرّ حاجة المعلول إلى العلّة هو الإمكان أو الحدوث الزماني أو الفقر الوجودي على اختلاف النظريّات الفلسفيّة والكلاميّة ؛
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 43
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣