لبحث الطهارة مثلًا !
وهكذا يقدّس الكثيرون العلماء الآتين من مثل قم والنجف ، ويهابونهم ، وكأنّ كل من أتى من هذه المدن فهو عالمٌ جليل ، فيما يهدرون حقوق علماء بين ظهرانيهم قد يكونون أفضل حالًا بكثير من أولئك القادمين الذين لم ينالوا من قم أو النجف أو الأزهر أو غيرها سوى تمضية مدّة من الزمن في بقعة جغرافيّة وسوى عناء الحرّ أو البرد والغربة . .
ومن هنا تجد آخرين لو سمعوا أو طالعوا لشخص آلاف الصفحات ورأوا علمه وفهمه بأمّ أعينهم بما لم يروا مثله عند كثير غيره من قبل ، لم يولوا له بالًا إلا أن يشهد له الآخرون ممّن لم يعرفهم الناس أساساً ، رغم أنّ الموضوع ليس من شؤون التقليد فقهيّاً . . وهكذا يحكم الجالس في بيته على العامل ، والنائم على القاعد والقائم ، والصامت على المتكلّم ، و . . هذه هي طبائع الناس وهذه هي عاداتهم ، ليس في الشأن الديني فحسب ، بل في مجالات كثيرة ، ولهذا قال المثل : مغنيّة الحيّ لا تطرب ، والمثل يُضرب ولا يقاس .
بل الأمر يطال الكثير من العلمانيّين والمتأثرين بالغرب والشرق ، ألا ترى أنّك لو ذكرت على لسانك أسماء بعض الباحثين الغربيين انشدّ لك كثيرون واقتنع بقولك آخرون ! لا لقيام برهان على ما تقول ، بل لأنّك استشهدت بالمفكّر الغربي الفلاني أو بالباحث الشرقي الآخر ! وهم ربما لا يعرفون لا هذا الغربي ولا ذاك الشرقي أساساً ! ولهذا تجد بعض المحاضرين أو الكتّاب ينفذ إلى نفوس الناس ببعض هذه الكلمات أكثر ممّا ينفذ إليهم بممارسته التحليل العلمي أو التفكير النقدي أو المقاربة البحثية في أيّ موضوع من الموضوعات ، ويصبح - ما دام يلهج بما هو غربي - مفكّراً ، ثم يزعم لك بأنّه متحرّر فكريّاً ، وهو ليس بمتحرّرٍ
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 442
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٤٢