الخصم بها نقطةً لصالحه ضدّنا ، وهكذا إلى ما لا ينتهي من فوضى الجدل الذي لا يُنتج أفكاراً ولا مشاريع ، وإن أنتج حراكاً .
الحالة الثانية : وهي حالة السياق البرهاني ، وأسمّيه السياق البنائي مقابل السياق الجدلي الدفاعي ، وفي هذه الحالة يمكن للنصوص الحديثية التي توجد في كتب الخصم أن تكون دليلًا علميّاً وليس مجرّد جدل وإفحام للآخر ، وذلك لأنّنا عندما نتكلّم في التاريخ - ومنه الحديث الشريف - ونجد أنّ بعض الأحاديث جاءت في كتب الفريقين مثلًا ، فيما مجموعة ثانية من الأحاديث جاءت في كتب فريق واحد ، ومجموعة أخرى جاءت في كتب الفريق الآخر ، فمن الناحية العلميّة يمكن للأحاديث التي جاءت في كتب الفريقين أن تحظى بدرجة أعلى من الوثوق بصدورها عن النبيّ ؛ لأنّه رواها جميع المسلمين بمذاهبهم وطرقهم السندية عن النبي الأكرم ، وهنا يمكن عندما نقوم بجمع هذه النصوص أن نشكّل منها قاعدة علميّة للانطلاق ، بحيث نحاكم من خلالها ( ومن خلال العقل والقرآن أيضاً ) النصوصَ التي تفرّد بنقلها هذا الفريق أو ذاك . .
إنّ هذه الآلية هي آليّة صحيحة من حيث المبدأ ، ويمكن الاعتماد عليها . لكنّها لا تتمّ بهذه البساطة أيضاً كما يخيّل لبعضنا ، إذ لابدّ من دراسة تاريخ الحديث ، ودرجة تداخل الحديث عند المذاهب ، وتأثّر بعضهم ببعض ، وانتقال مرويّات بعضهم إلى بعض ، ووجود مصالح مشتركة في النقل المشترك ، ومديات فهم وتفسير كلّ فريق للنصّ المشترك ، وغير ذلك من العناصر .
فنحن نتصوّر مثلًا أنّ المناخ العام في الدولة العباسية - زمن كتابة المدوّنات الحديثية الكبرى لأهل السنّة - هو مناخ سيطرة النواصب الذين ما كانوا ليقبلوا بمدح عليّ عليه السلام وأهل بيته ، وبهذه الطريقة نتعامل مع أيّ حديث لصالح
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 438
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٨