وهذا السياق الجدلي لا يُنتج صحّة مذهبٍ ولا بطلان مذهبٍ آخر بالضرورة ، فقد تعثر في كتب هذا المذهب على نصّ لصالح المذهب الآخر من أحد علمائه أو رواية منقولة عن النبي مثلًا ، لكنّ هذا لا يُثبت صحّة مذهبك بالضرورة ، ولا يعني أنّ الطرف الآخر لا يمكنه تخريج هذا الوضع أو تأويله وفقاً لآليّات من اللافت أنّ الجميع يستخدمها ، فعندما يتمّ نقد مذهب آخر ، فنحن نستخدم معه نفس الآلية التي يستخدمها هو معنا ، ثم عندما نفرّ من إشكاله فنحن نقوم باستخدام نفس الطريقة التي يقوم هو من خلالها بالفرار من إشكالاتنا في نقطة أخرى . عندما تمسك الخصم بنقطة هنا فالخصم يمسكك بنقطة هناك ، وعندما تفرّ أنت من نقطته يفرّ هو أيضاً من نقطتك بنفس طريقة فرارك ، وهكذا تستمرّ عملية الجدل الذي لا ينتهي .
إنّ السياق الجدلي هو سياق إفحام ، ومناظرة ، وملاحقة كلمة هنا أو جملة هناك بطريقة مبعثرة ، ينفع إعلاميّاً وعلى مستوى تسجيل نقاط ، لكنّه لوحده لا يكفي لبناء عقائد مذهبيّة ولا دينية بالضرورة . وقد دعونا مراراً للخروج من السياق الجدلي في تعامل المذاهب مع بعضها ، وما زلت أدعو لهذا الأمر ؛ لا سيما وأنّ التمرّس على هذه الطريقة والاعتياد عليها والفة الذهن لها يفضي أحياناً لغياب المنهج العلمي البنائي الصحيح في تكوين العقائد والأفكار .
وهذا السياق الجدلي بتنا نجده أيضاً اليوم بين الإسلاميّين والعلمانيين ، وبين الدينيين واللادينيّين ، فيسجّل ملحدٌ على فكرةٍ دينية نقطةً ، ثم يسجّل خصمه عليه واحدة أخرى ، ويقبل هو بالدفاع عن فكرته بطريقة يرفضها هو بعينه في حقّ الخصم لو أراد الخصمُ الدفاع عن فكرته من خلالها .
كما تقوم عملية الجدل على إخفاء الحقيقة في جزء منها ، حتى لا يمسك
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 437
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٧