الرجل الثاني . وفي الوقت نفسه نرى تيارات تقوم بتعويم شخصيّات علمائيّة للتقليد لا لشيء إلا لكون هذه الشخصيّات تنسجم مع الخطّ الفكري المختلف عن المشهور والمنسجم مع خطّها الفكري الخاصّ .
بل هذا الأمر تجده حتى في أصل علم أو اجتهاد الشخص ، فما دام لم يطرح مرجعيّته أو لم يخالف التيارات العامّة الدينية أو السياسية . . فنادراً ما تجد من يناقش في علمه حتى لو كان شخصاً مشهوراً وفاعلًا وله جمهوره ، لكن وبمجرّد أن يطرح ما يخالف السائد أو يخالف السلطة السياسية أو القوى الدينية النافذة أو نحو ذلك ممّا يضعه في إطار المنافس السلطوي ، تجد باب الكلام مفتوحاً على مصراعيه في حجمه العلمي وأصل كونه مجتهداً ، بحيث لولا ذلك لوجدت إمكانية الشهادة له بالاجتهاد أسرع وأقوى أحياناً ، وليس ذلك إلا للأسباب التي قلناها وأمثالها .
أكتفي بهذين الأنموذجين ، لأؤكّد على أنّ درجة السخونة في الخلاف حول قضايا التقليد يقبع خلفها في كثير من الأحيان خلافٌ آخر سلطوي أو فكري أو عقدي ، وأنّ ما نجده من تجاذب حول قضيّة ( من هو الأعلم ؟ ) وإشغال الناس في كثير من الأحيان بهذه الأمور بدل إشغالها بأمور أخرى ، إنّما يرجع إلى شيء أعمق ، وهو تصحيح الانتماء السياسي أو السلطوي أو الفكري أو العقدي أو نحو ذلك ، فالمرجعيّات الدينية اليوم صارت أكثر تنوّعاً في ميولها الفكريّة من الماضي ، فبينها المدرسيُّ وبينها السياسي - على اختلاف الاتجاهات السياسيّة - وبينها التقليدي وبينها التجديدي إذا صحّ التعبير ، فلم يعد من يُطرح للمرجعية منتمياً لتيارات كلاسيكيّة محدودة ، بل صارت المرجعيّة مسرحاً لأكثر من تيار مختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً ، والخلاف على مرجعيّتها وأعلميّتها هو في
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 433
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٣