رابعاً : يجب أن نعرف بأنّ هناك تياراً غير بسيط في الغرب وعند الفلاسفة والمفكّرين المسلمين أيضاً يشكّك أصلًا في قيمة المعرفة القائمة على الاستقراء وعلى نظريّة الاحتمال ، ومن هنا فأدلّة التواتر وثبوت الصانع لا تقف عند حدود ما قدّمه السيد الصدر لمن راجع كتب الفلاسفة والمفكّرين الدينيين في الغرب والشرق قديماً وحديثاً .
ولهذا فإنّني أدعو نفسي دوماً وكلّ المشتغلين بالمجال المعرفي للابتعاد عن اللغة الدوغمائية والطوباوية والشعارية في التعامل مع المعرفة :
ففيما نجد بعض أنصار الفلسفة الإسلاميّة - مثل بعض أنصار فلسفة الملاصدرا وبعض أنصار فكر السيد محمد باقر الصدر نفسه - يتكلّمون بلغة تبجيليّة مذهلة عن منجزاتهم ، وكأنّ العالم أغلق أبوابه وحطّ رحاله على أعتاب صدر الدين الشيرازي أو محمّد باقر الصدر ، وبعض هؤلاء ليس لديه اطّلاعٌ كافٍ أصلًا على فلسفة الملا صدرا أو فلسفة الصدر ، ولم يقم بأيّ مقارنة بينهما وبين من سبقهما ليكتشف مدى الإضافة النوعيّة التي حقّقاها ، وإنّما يسير خلف ما أسمّيه : الدعاية الإعلاميّة المتحمّسة . .
نجد أيضاً بعض المنبهرين بالفكر الغربي يتعامل بالطريقة نفسها ، وربما تجد أنّ بعضهم عندما يحكمون بحكمهم الوارد في السؤال أعلاه لم يقرأ كتاب ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) أساساً !
ولا نستغرب من هذا ، فهذه ظواهر لمسناها من كثيرين ، وسببها في تقديري أنّ شخصيّتنا ما تزال غير متوازنة علميّاً ، فنعيش الدعاية الإعلاميّة أكثر ممّا نعيش القراءة المعرفيّة المتحرّرة من الضغط النفسي السلبي أو الإيجابي ، ولحالة الهزيمة الحضارية - كما أزمة الخوف على الهويّة - أدوار كبيرة في بناء وترسيخ هذه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 427
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢٧