الكذب والدجل والنفاق والتزوير ، ودون أن تقول له منذ اليوم الأوّل بأنّ هناك ألف محرّم في الشرع كي لا يفرّ بعد الصلاة مباشرةً ! فإنّ التقية المداراتية هي مبدأ عظيم في الأخلاقيات السلوكيّة ، ليس مع المذاهب الأخرى فحسب ، بل مع جميع الناس على اختلافهم ، وهي التي تحوّل الإنسان المتديّن إلى إنسان غير وحشي وعدواني وصلف وجاف ويابسٍ في أخلاقه واختلافه مع الآخرين ، بل هو قادر على التواصل والتعاطي بإيجابيّة قدر الإمكان وإيصال رسالته بشيء من الذكاء والفطنة والهدوء والتدريج والمراحليّة آخذاً بعين الاعتبار الظروف الزمكانيّة المحيطة ، دون أن يخرج عن عنوان ( لا يخاف في الله لومة لائم ) .
فليس هذا النوع من التقيّة - في قناعتي المتواضعة - شيئاً يتعلّق بعصر الظهور أو الغيبة ، ولا شيئاً يتعلّق بأهل السنّة فقط ، بل هو نمط عيش يحوّل المؤمن إلى إنسانٍ مرنٍ في التعامل مع عناصر الاختلاف مع الآخر - أيّ آخر كان - هذا هو فهمي لنظريّة التقية المداراتية وقراءتي لها ، وهي التي تميّز متديّناً مرناً سلساً تواصليّاً عن متديّن صلف جاف صدامي ، يجعل نفسه من الأجلاف القساة النابين في لغتهم وطرائق تعابيرهم ، كما نرى عند بعض المتشدّدين اليوم من بعض المذاهب الإسلاميّة المختلفة هنا وهناك .
ولهذا ورد في بعض النصوص أنّ رسول الله قال : « أمرني ربّي بمداراة الناس ، كما أمرني بأداء الفرائض » ، ولهذا تحدّث العلماء عن التدرّج في بيان القرآن للأحكام ؛ لأنّ هذا التدرّج نوعٌ من المداراة والتقيّة بهذا المعنى الواسع ، وهي تقيّة قد تتوقف - حتى بهذا المعنى - في بعض الحالات تماماً كأيّ موقف شرعي أو أخلاقي يتصل بالقضايا العمليّة .
فالقضية ليست مذهبيّة كما فهمها بعضنا ، وإن كان الأئمّة أبرزوها في الفضاء
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 423
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢٣