الأمر بعينه يجري في سائر الفرائض والشعائر ، لكن ليس على المستوى الفردي فحسب ، بل على المستوى المجتمعي أيضاً ، فمثلًا - وهذا مجرّد فرض غير واقعي - هل يجوز أن يظلّ الشيعة طيلة أيّام السنة يعطّلون أعمالهم ويذهبون فقط للزيارة كما يحصل مثلًا في أيام عاشوراء ، فهل يجوز تطويل هذه المدّة لكلّ أيام السنة وليس فقط ليوم العاشر من المحرّم بحيث يتكرّر العاشر بزخمه وقوّته واستنفاره لثلاثمائة وخمسة وستين يوماً في السنة ؟ بالتأكيد لا يرضى الفقهاء أنفسهم بذلك ؛ لأنّ هذا يعطّل حياة الناس ويوجب تخلّفهم وتضرّرهم . .
هذا كلّه يدلّني على أنّه لابدّ من توجيهٍ ديني ودنيوي ( علماء الدين والسلطات الحاكمة ) في كيفية استثمار هذه الشعائر بأفضل طريقة وبأقلّ خسائر من الجهات الأخرى ، بما يحقّق - من حيث المجموع الروحي والمادي - مكسباً إضافيّاً للفرد والأمّة ، ويوازن كافّة التكاليف والفرائض والمستحبّات الأخرى .
ونتيجة القول : إنّ التعامل مع الشعائر يجب أن يكون - كما مع سائر الفرائض الدينية - وفقاً لمنطق أنّ الشعائر لا تحلّل الحرام ، ولا يصحّ أن نقول فيها : إنّ المشاركة في الشعائر حسنة لا تضرّ معها سيئة ! أو نقول : إنّ الشعائر فعلٌ حسن يُسقط سائر الأفعال الحسنة عن كاهلي ! ولا يصحّ فيها أن نقول : ليس هناك في الدين والدنيا غير هذه الشعائر ! فكلّ هذا منطق غير صحيح لا شرعاً ولا غيره ، بل الشعائر جزءٌ من المنظومة الدينية المتكاملة التي تؤخذ معاً ، وتنظّم بالطريقة التي تحقّق أفضل المكاسب وأقلّ الخسائر ، آخذين بعين الاعتبار الجوانب الروحيّة والمادّية ، وليس فقط المادّية منها ، وآخذين بعين الاعتبار أيضاً التمييز بين كون الشعائر سبباً في تخلّفنا وتراجع حالنا ، وبين كون طريقة أدائنا لها هي الموجبة لذلك ، وفي الحالة الثانية علينا الاشتغال على تطوير أدائنا باستمرار بما
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 419
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٩