الاشتغال الاجتهادي الدقيق عليه ، بل ترك للتداول العفوي العام ، فإذا كان الاحتكام إلى كونه لم يصب الواقع في اجتهاداته فما من فقيه إلا وهو عند فقيه آخر ضالّ ؛ لأنّهم يختلفون في الاجتهادات ، وإذا كانت مخالفة المشهور فما هو الدليل على اعتبار من يخالف المشهور أو حتى الإجماع ضالًا أو مبتدعاً بحيث نرتّب عليه الآثار الشرعية المفترضة ؟ وليس من فقيه أو متكلّم إلا وتجد عنده - ولو مسألة واحدة - خالف فيها المشهور بل الإجماع أحياناً .
ولماذا يجوز نشر كتب السيد الخميني العرفانية وتصبح كتب ابن عربي ضلالًا ، مع أنّهما ينتميان لمدرسة واحدة فكريّاً تقريباً ؟ ! ما هي المعايير الدقيقة الصارمة في وضع العناوين على الناس وعلى الكتب والمقالات ؟ والغريب أنّ السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة عندما يردّ على المحدّث البحراني في نقد الأخير لعلم أصول الفقه ، يقول - العاملي - ما نصّه : « ومن الضلال المحض الذي يجب إتلافه على مذهب الشهيد الثاني ، كلامُ صاحب الحدائق في المسألة في آخر عبارته ، حيث افترى على أصحابنا وأساطين مذهبنا بأنهم اتبعوا الشافعي في تدوين الأصول استحساناً ، وطوّل في ذلك غاية التطويل وملأ القرطاس من الأباطيل . . » ( مفتاح الكرامة 12 : 209 ) .
إنّه يرى - بناءً على وجهة نظر فقهيّة موجودة - أنّه يجب إتلاف بعض كتاب الحدائق للمحدّث البحراني ؛ لأنّ فيه ضلالًا ، فكيف يمكن أن نتعامل مع بعضنا بهذه الطريقة ؟ ! وهل يمكن لي - إذا كنت أؤيّد مثلًا كلام البحراني - أن أحذف من كتاب العاملي بعض الصفحات التي أراها ضلالًا ؟ ! هل هذا منطق سليم ؟ ! والأمثلة على هذه النزعة متعدّدة أكتفي بهذا منها .
إذن ، النقطة الأخطر والأكثر أهميّة هنا ، هي النقطة التي لم يدرسها الفقهاء في
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 395
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٥