* يعدّ الطوفي أكثر الفقهاء المقاصديّين تطرّفاً - إذا صحّ التعبير - عند أهل السنّة ، حيث جعل المقاصد والمصالح مقدَّمةً على النصوص ، وبالغ في ذلك بما لم يصل إليه لا الإمام الجويني ولا الإمام الغزالي ، ولا حتى الإمام الشاطبي ، ولكنّ الكثير من التطبيقات التي ذكرها هو أو التي جاءت في فقه الإمام الخميني ، لا تتصل بالضرورة بموضوع المصلحة بالطريقة الطوفيّة النظريّة ، وإنّما بقواعد داخل النصوص تحكم علاقاتها ببعضها ، كعلاقات الأحكام الأوّلية بالأحكام الثانويّة ، مثل علاقة قاعدتي : لا ضرر ، ولا حرج ، وأمثالهما ، بسائر الأحكام الأوليّة في الشرع ، أو كعلاقات الأحكام الحاكمة بالأحكام المحكومة من حيث نوع بيان النصّ في الحكمين معاً ، وقد يكون المرجع فيها لتقييد الحكم بوضع زمني ، مثل موضوع الشطرنج وآلات القمار وخروجها عن القماريّة أو بيع الدم والنجاسات من حيث عدم وجود المنفعة فيها سابقاً مع تحقّق ذلك في العصر الحاضر ، فإنّ الخلاف بين الفقهاء هنا ليس في تقديم المصلحة على النص ، وإنّما في بلورة فهمٍ جديد للنصّ يجعل التحريم الوارد فيه مقيّداً من الأوّل بعدم نفعيّة الدم لو بيع ، أو بعدم قمارية الآلة عندما تباع أو تُستعمل ، وهكذا . . وحتى لو كان هذا الفهم ناشئاً من قراءة تاريخيّة في فهمه فإنّه يظلّ مغايراً بعض الشيء لنظريّة تقديم المصلحة على النص بالمعنى العريض لها .
لكن مع ذلك ، ثمّة قراءة تقوم بالمقاربة بين نظرية الطوفي ونظرية الخميني ، عندما نأخذ بعين الاعتبار أيضاً النصوص الخمينيّة التي صدرت منه في أواخر حياته رحمه الله حيال قضايا متعدّدة ، ولا سيما حيال كون ولاية الفقيه من الأحكام المتقدّمة على جميع الأحكام الأخرى ، فإنّه في ضوء هذا الفهم لنصوص الإمام الخميني سيكون هناك قدر من التقارب بين نظريّته ونظريّة الطوفي .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 385
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٨٥