بالسلاطين ولباس غير المؤمنين في قوله : إنّ تحريم لبس السواد أو كراهته جاء للحدّ من التشبّه بالعباسيين ، وهكذا ، لا أنّ الأمر إلغاء تام وعدم بقاء حجر على حجر .
من هنا ، لا يصحّ اعتبار التاريخية فزّاعة ، تثير الذعر حول زوال الشريعة وأحكامها ، بل إنّني اعتبر أنّه كلما تطوّر الوعي التاريخي في فهم النصوص الدينية نكون قد اقتربنا أكثر من روح الشريعة ومرادها من أحكامها ، وابتعدنا عن الحرفيّة والظاهريّة القاتلة ، ولهذا أعتبر نفسي من المدافعين عن منهج الفهم التاريخي بهذا المعنى العامّ له ، لا بمعنى خصوص انتهاء أمد الأحكام الشرعيّة وأنّها جاءت لأزمنة سالفة .
نعم ، مشكلة الفهم التاريخي ، لا سيما بصورته المعاصرة ، أنّه ما يزال هلاميّاً غامضاً ، فلم تُمارس عملية التقعيد عليه ، فكيف نستكشف الطريقيّة من عنوان رؤية الهلال ، ولا نستكشف الطريقية من عنوان الوضوء لمطلق تنظيف اليدين ؟ ! إنّ هذا الموضوع هو النقص الذي ما يزال حاصلًا في المدرسة التاريخيّة في فهم النصّ الديني ، وهي مدرسة عريقة كما قلت ، وليست وليدة اليوم أبداً ، وقد بينت ذلك في أكثر من موضع . نعم صارت اليوم أوسع بكثير من الماضي ، كما اتخذت معاني جديدة ، واعتمدت على مناهج علمية مختلفة في العلوم الإنسانيّة .
من هنا يلزمنا بشدّة أن ندرس مناهج أو عناصر الفهم التاريخي للنصّ الديني ، حتى لا نقع في الفوضى التي قد تدخلنا في الاستنسابات الشخصيّة التخمينيّة التي لا حجيّة لها ، وهذا ما أشتغل عليه شخصيّاً منذ زمن ، وأحاول تجميع العناصر المتعدّدة التي يمكنها أن تشكّل قواعد الفهم التاريخي بحيث يصبح فهماً أكثر انضباطاً ، ولهذا قلت أكثر من مرّة بأنّ الدراسات العليا في
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 378
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧٨