وعليه فالتطيين والنطح إذا صارا بهذا المستوى فهما شعيرة حثّ الشرع على تعظيمها عندهم .
لكن حتى على الاتجاه الثاني لا يكفي لصيرورة الشيء شعيرةً - عند كثير من أنصار هذا الاتجاه - أن يفعله شخص واحد أو عشرة أشخاص ، بل لابدّ أن يتحوّل إلى شعار وعلامة بارزة تشير إلى الدين والقيم الدينية والشخصيّات الدينية المقدّسة ، فلو فعل شخصٌ النطح في بيته مرّةً واحدة لم يصر الفعل شعيرةً ، ولو كان الفاعل مرجعاً دينيّاً ، بل لابدّ من خروجه إلى حيّز الظهور ليكون معلماً بارزاً لهذا الدين ، كما في مثل الشهادة الثالثة أو التطبير أو غير ذلك ، فإذا بلغت ظاهرة التطيين أو النطح هذا المبلغ وتحقّقت فيها الشروط المتقدّمة ، صارت شعيرة مرغوبة في الدين وفقاً للرأي الثاني .
وأمّا قضيّة الجزع ، فالجزع أمرٌ قلبي لا مجرّد استعراض ظاهري ، فإذا لم يصدر التطيين عن انفعال باطني عفوي ناتج عن انهيار عصبي أو شبه انهيار ، فليس جزعاً وإنّما هو تجازع ، فلاربط بين هذه الظواهر ومفهوم الجزع إلا مع صدورها عن حالة عاطفيّة هائلة تدفع للفعل بطريقة أشبه بغير الواعية من شدّة الضغط النفسي على الشخص . نعم ، إذا قيل بأنّ دليل شرعيّة الجزع يشمل بروحه التجازع أمكن الأمر .
وأمّا فعل السيد البروجردي رحمه الله ، فهو لو صحّ تاريخيّاً بالطريقة التي نقلتموها ، لا يصيّر التطيين الذي يفعله بعض الناس اليوم شعيرةً ، إذ لا ربط بين الاثنين ، فهذا ناشيء عن مفهوم التبرّك بمثل غبار زوّار الحسين عليه السلام ، فيما التطيين قد يكون بوضع الطين العادي على الرأس والجسد ولو لم يكن له علاقة بالزيارات والزوار أو بما يكون على أجسامهم ، ولا هو من طين قبر الحسين عليه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 336
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٦