معهود في تراث البشر .
وهذا يعني أنّ أصل البراءة ليس لوحده هنا ليثبت شرعيّة مهنة المحاماة ، بل هناك القواعد الشرعية العامّة في باب المعاملات والوكالات تشرعن هذه المهنة أيضاً ، لا سيما وأنّنا بنينا في بحثنا الفقهي ( انظر : دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4 : 261 - 285 ، قاعدة الصحّة في العقود ، الاتجاهات الفقهيّة بين التعميم والتخصيص ) - وفاقاً لجملة من العلماء المتأخّرين - على أنّ الأصل في كلّ العقود القديمة والحادثة هو الصحّة ، ما لم تعارض قانوناً إسلاميّاً أو يرد النصّ المباشر في المنع عنها ، فلا يلزم أن نحوّل المعاملات الجديدة إلى شكل من أشكال المعاملات القديمة ، بل يكفي صدق عنوان العقد عليها عقلائيّاً وعرفاً لتكون مشمولةً لقانون تصحيح العقود .
بل يمكن أن نضيف أكثر من ذلك ، وهو أنّ الوكالة عن المتّهم قد تكون راجحةً ومرغوبةً شرعاً ، وذلك من جهات أبرزها :
الجهة الأولى : إنّ فيها نحو إعانةٍ للمحكمة والقاضي ، وتصويبٍ لحكمه ، وإشارةٍ عليه فيما ينبغي له أن يُصدره من أحكام ، وهذا أمرٌ حسن في حدّ نفسه ومرغوب .
الجهة الثانية : إنّ في المحاماة نصرةً للمظلوم ودفاعاً عن صاحب الحقّ ، ومواجهةً للظالم المعتدي ، بل لو بلغ الظلم حدّ أن يُرفع المتهم على أعواد المشانق ، فقد يكون التوكّل للدفاع عنه - وهو مظلومٌ - واجباً شرعاً لإنقاذه من الموت .
وربما لهذا كلّه ولغيره وجدنا أنّ مشهور فقهاء المسلمين المتأخّرين من مختلف المذاهب يرون شرعيّة هذه المهنة في حدّ نفسها ، نعم ذكر السيد صادق الشيرازي حفظه الله تعالى أنّنا غير محتاجين لهذه الكثرة من المحامين ؛ لأنّ أمور القضاء في
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 320
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٢٠