فبريطانيا فيها أكثر من مائة ألف محامٍ ، مع أنّ عدد سكّانها أقلّ من عدد سكان إيران ، وعلينا النهوض بهذه المهنة في البلاد الإسلاميّة ليصل إلى مستوى منشود . وسمعته ينتقد أكثر من مرّة ما ذهب إليه بعضهم من القول بأنّه حيث لا يوجد في الرسائل العمليّة للمراجع الكرام في باب القضاء شيءٌ اسمه المحاماة ، إذاً فيجب علينا أن لا نرضخ لهذه المهنة في عملنا القضائي . . ويظلّ لكلّ من وجهتي النظر هاتين احترامهما ورؤيتهما للأمور .
وعليه ، فالمحاماة مهنة شرعيّة ، بل مرغوب بها في الجملة ، كما أنّ من حقّ كلّ مواطن في الدولة والمجتمع الإسلامي أن يوكّل غيره للدفاع عنه ، لا سيما إذا لم يكن يعرف كيفيّة الدفاع عن نفسه ، ما دام يوكّله في أمرٍ شرعي جائز . نعم الشريعة لم توقف عمل القاضي على وجود محامٍ فيمكن للقاضي إجراء الآليّات الشرعية للقضاء دون حاجة لوجود محامٍ من حيث المبدأ ، بل لو تطوّر الفكر البشري ليجد مهنةً أخرى أو آليةً أخرى بديلة تضمن تحقيق المقاصد القضائيّة العامّة بشكل أفضل ، فيمكن الذهاب خلف الأفضل في ذلك . لكنّ هذا لا يعني أنّه لو وكّل شخصٌ آخرَ للدفاع عنه فهذا ممنوع ، بل قد يجب على القاضي - بعد التوكيل - أن يستمع للمحامي ؛ لأنّه من باب وجوب الاستماع للطرفين ورصد تمام عناصر القضيّة ما دام المحامي يمثّل أحد الأطراف المتنازعة بالوكالة .
وهذا كلّه يعني أنّ التوكيل جائز مطلقاً هنا ، ومع ذلك قد يُشترط أن يكون المحامي مأذوناً من قبل السلطات القضائيّة ، فإنّه وإن جاز لأيّ شخص أن يوكّل أيّ شخص ولو لم يكن متخصّصاً في القانون ومهنة المحاماة ، لكن بالعنوان الثانوي يمكن ضبط هذا الموضوع وحصره بمن كان عالماً بالقانون وتفاصيله ، حتى لا تفتح الأمور على تضييع وقت المحكمة وغير ذلك ، وهذا عنوان ثانوي
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 322
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٢٢