ملاقاة البول له أيّ أثر تكويني .
الاتجاه الثاني : وهو اتجاه اعتبار الطهارة والنجاسة أمراً تكوينيّاً ، لكنّ الشارع يتدخّل لتخطئة العرف في حسبانه أنّ الماء قد طهر ، فيقول له بأنّه لا يطهر إلا بالطريقة الفلانيّة .
الاتجاه الثالث : وهو اتجاه أنّ الطهارة والنجاسة باقيتان على معناهما اللغوي والعرفي ، وأنّ المرجع فيهما هو العرف وحالة الاستقذار النوعي ، وأنّ النصوص الدينية ذكرت وسائل متوفّرة آنذاك ، وأنّها جاءت لتؤكّد للعرف ضرورة التحذّر من هذا الأمر وتعليمه كيفية هذا التحذّر ، في مقابل استخفاف العرب والمسلمين الأوائل بهذه المواضيع بحكم نمط حياتهم ، فإذا تطوّر نمط حياة الناس وصاروا مهتمّين بأمور النظافة والطهارة ، وصارت بيوتهم وألبستهم وأبدانهم نظيفة أنيقة جداً ، فلا معنى لتلك الطرق التي وضعتها الشريعة لمجرّد الإشارة إلى المبالغة في التحذّر من القذارات .
وقد يقال بأنّ بعض القدماء كانوا يميلون جزئيّاً للاتجاه الثالث ، حيث يُنسب شيء قريب من هذا لكلّ من الشيخ المفيد والسيد المرتضى ، من أنّهما قالا بأنّ مذهبنا جواز تطهير الأشياء بغير الماء من السوائل والمائعات ، وأنّ هذا هو المرويّ عن الأئمة ، وأنّه لا فرق في التطهير بين الماء والخلّ ، وأنّه تطهر الثياب المتنجّسة بغسلها بغير الماء ؛ لأنّ الطهارة ليست سوى زوال النجاسة ، وليس في الأدلّة العقلية ( النقليّة ) ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة ولا ما يوجبها . ونحن نعلم أنه لا فرق بين الماء والخلّ في الإزالة ، بل ربما كان غير الماء أبلغ ، فحكمنا حينئذٍ بدليل العقل ( انظر في نسبة هذه الآراء إليهما كتبَ الفقه ومنها : المحقّق الحلي ، الرسائل التسع : 216 ؛ ومحمد تقي الرازي الإصفهاني ، تبصرة
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 315
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٥