الفقهاء وقواعدهم .
لكن لو ذهب شخصٌ إلى أنّ فقه الطهارة والنجاسة ليس أمراً تعبّدياً بالمعنى الذي فهمه الفقهاء ، وأنّ الطهارة والنجاسة ليست أموراً اعتباريّة جعليّة للشارع ، ولا مفاهيم منقولة - من قبل الشارع سبحانه وتعالى - عن اللغة والعرف ، بل هي أمورٌ واقعيّة تكوينية قد يتدخّل الشارع فيها أحياناً ، ولم يجعل لها في لغته اصطلاحاً خاصّاً أو مفهوماً منقولًا مغايراً للمفهوم اللغوي والعرفي ، وأنّ الشارع كان يريد من نصوصه في الطهارة والنجاسة تحصيل النظافة التامّة في الشيء بحيث يرتفع استقذاره الطبيعي والعرفي ، وليس مراده الكشف الغيبي عن القذارة الواقعيّة الموجودة في الشيء ولو لم يدركها الناس والعرف ، وأنّ هذا هو المفهوم من مجموع نصوص باب الطهارة ، وأنّ طرق التطهير المنصوصة إنّما ذكرت لكونها هي المتوفّرة آنذاك . . لو قال شخص بهذا ، ففي هذه الحال يمكنه القول بالتطهير بالطريقة المتبعة اليوم لتكرير مياه الصرف الصحّي ومياه المجازر وغيرها ، شرط ارتفاع حالة الاستقذار العرفي تماماً ، لا سيما لو قال بأنّنا إنّما نحكم بنجاسة الماء ؛ لأنّ العين النجسة فيه غير قابلة للانفصال عن ذرّات الماء الأخرى التي لم تتنجّس في الحقيقة ، وإنّما اختلطت مع النجاسة بالنسبة إلينا ، فلو تطوّر العلم وفصل عينَ النجاسة وذرّاتها عن سائر أجزاء الماء ، بقي الماء على وضعه الطبيعي ؛ لأنّ النجاسة لا تسري للماء ، وإنّما الاختلاط هو الذي أفقدنا عنصر التمييز فأوحى لنا بأنّ الماء قد تنجّس .
فنحن - إذاً - أمام اتجاهات ثلاثة مفترضة :
الاتجاه الأوّل : اتجاه اعتبار الطهارة والنجاسة أموراً اعتبارية محضة لا علاقة لها بالواقع التكويني ، فالمولى اعتبر الماء متنجّساً عندما لاقاه البول ، وليس في
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 314
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٤