السكوني ومسعدة بن صدقة المتقدّمتين ، ولهذا لم يكن المتشرّعيُّ بحاجة إلى ملاحقة هذا الموضوع ، ولا السؤال عنه كما يلاحقه المتديّنون اليوم ، نتيجة إلزام الفتاوى الفقهيّة لهم بالتدقيق في الأمر .
ووفقاً لهذا الافتراض يمكن تفسير تبلور السيرة الإسلاميّة على الصلاة بالعربية وقراءة القرآن بالعربية ، لأنّ علماء الدين وأئمّة الجمعة والجماعات كانوا في الغالب قضاةً وعلماء يعرفون العربية ويفضّلون الصلاة بها على الصلاة بغيرها ، بحكم ارتكاز حُسن تقديم الصلاة بالعربية على الصلاة بغيرها عند القدرة ، تقديماً غير إلزامي ، فنشأ العرف العام ، وفي الوقت عينه لما لم تكن القضيّة محلّ تشدّد الدين ، ما كانوا يسألون عن الدقّة في النطق بالحروف ، بل كانوا يرون ذلك أمراً طبيعيّاً ما دامت الشريعة لم تنصّ على العربية الفصحى الدقيقة على جميع الناس ، وبهذا نفسّر السيرة وعدم الأسئلة في الوقت عينه ، ونفسّر عدم رواج الصلاة بغير العربيّة بين الناس أيضاً .
وإذا جاءت هذه الاحتمالات الثلاثة لم يعد يمكن الاستدلال بعدم وجود شرط العربية أو بوجوده ، لاحتمال وجوده لكن مع عدم تشدّد الشريعة في كيفية النطق ، واحتمال عدمه مع الرغبة فيه ولذلك شاعت العربيّة ولم تأت الأسئلة ، وبهذا يصبح هذا الاستدلال غير واضح لكلا طرفي النزاع في المسألة هنا ، وإن كان أقرب لإفادة عدم الشرط ، فتأمّل جيداً . ومنه يعلم عدم صحّة الاستدلال بسيرة المتشرّعة هنا أيضاً لأيّ من الفريقين فلا نطيل .
والنتيجة إنّه وإن لم نجد دليلًا واضحاً على نفي شرط العربيّة في الصلاة ، غير أنّ الدليل على نفس هذا الشرط ، لا يمنح النفس استقراراً وقناعة به ، وهو ما يرجّح بالنظر الأوّلي عدم اشتراط العربيّة ، لا سيما في كلّ ما هو غير واجب من
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 290
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩٠