تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
مواطنٌ فرنسي باللغة الفرنسيّة ، فهل نقول له بأنّك لم تقرأ تاريخ الطبريّ ؟ أليس الكثير من الناس اليوم يقولون بأنّنا قرأنا كتب شريعتي وكتب مطهري رغم أنّها بأجمعها ترجمات عن اللغة الفارسيّة ؟ وهل يُحجم إنسانٌ عن نسبة قراءة كتبٍ ما إلى نفسه لمجرّد أنّه قرأها مترجمةً ؟ ولو نذر شخص أنّه لو قرأ مجموعة أعمال إقبال اللاهوري فسوف يتصدّق بالمبلغ الفلاني ، فهل حقّاً لا يجب عليه التصدّق لو طالعها باللغة العربية حيث هي ترجمة عن اللغة الأم ؟ وأبرز شاهد على هذا الأمر هم المسيحيّون في عالم اليوم ، فهل يقال للمسيحيّ بأنّك لم تقرأ الإنجيل في حياتك ، في حال كان يطالعه بلغته كلَّ يوم ؛ لمجرّد أنه لم يقرأه بالنصّ الأصليّ التاريخي له ؟ إنّ هذا الافتراض غير عرفي ، والذي دفع إليه - على ما أتصوّر - هو قداسة الجانب اللغوي من القرآن الكريم ، وكونه يمثل عنصراً أساسيّاً منه في عمليّة الحجّة والمعجزة والعرض و . . فتصوّروا أنّ قرآناً لا يعطي هذه النتائج ليس قرآناً ، فقراءته ليست قراءة القرآن ، في حين أنّ صدق قراءة القرآن شيء ، وكون النصّ المترجم هو عينه بمثابة النصّ الأصل شيء آخر ، فأنت تقرأ أعمال شكسبير ، ويقال عرفاً : لقد قرأت أعماله ، لكنّ النصّ المترجم لا يرقى إلى مستوى الأدب السامي الذي كانت عليه أعمال شكسبير ، تماماً كما نقول في ترجمات المثنوي لجلال الدين الرومي ، فأنت تقرأ المثنوي ويصدق عليك أنّك قرأته ، وتقول : أنا قرأت المثنوي ، أو أنا قرأت رباعيات الخيام أو سمعتها ، لكن مع ذلك لا يمكن القول بأنّ النص المترجم يفي بسموّ النصّ الأصل مهما بلغ ، لا سيما لمن يعرف اللغة الأصليّة ويتذوّقها أدبياً وجماليّاً وإيقاعيّاً ، نعم قراءة النص بلغته الأم أفضل وأقرب ، لكنّ ذلك لا ينفي صدق عنوان القراءة على نصّ الترجمة .