الافتراضات لم تكن متبلورةً ، بل لا يعبّر ذلك عن شيء أساساً ما دامت هي لغة الإنسان الأم فلاحظ .
فالإنصاف أنّ توقيفية العبادة بهذه الصيغة لا تثبت المطلوب ، فلو علّم الإمام شخصاً دعاءً من الأدعية أو قاله الإمام أو زيارةً من الزيارات ، فهل يلتزمون بوجوب العربيّة مع أنّها أمور قربيّة أيضاً ؟ ! إنّ عدم ملاحظة خصوصيّة اللغة أمر ناشئ من أنّه من غير المعلوم أنّ هذه القضيّة كانت مأخوذةً في الوعي العام حتى يشير الإمام إليها . بل لو تمّ هذا الدليل فغايته أنّه يثبت لزوم الصلاة بالعربية لمن يعرفها ، لا وجوب العربيّة حتى في حقّ من لم يعرفها ووجوب تعلّمها عليه ، فإنّ هذا الدليل من الصعب أن يُثبت مثل هذه النتيجة كما صار واضحاً ، وسيأتي ما يرتبط بهذه النقطة آخر البحث إن شاء الله تعالى .
الوجه الثالث : ما أفاده المحقّق الكركي في جامع المقاصد وغيره ، من تطبيق فكرة التأسّي ، بدعوى أنّهم أدّوا عليهم السلام صلاتهم بهذا الوجه ، ونحن أمرنا بالتأسّي بهم بشكل عام ، وهذا مصداق بارز تعبّدي للتأسّي فوجب الاتيان بالصلاة بهذا النهج دون غيره .
ومناقشة هذا الوجه واضحة ذكرها أكثر من واحد في موارد عديدة في الفقه ، فإنّ دعوى أنّ التأسّي شامل لهذا المقدار الذي بيّنا حاله في مناقشة الوجه الثاني غير دقيقة ، وإلا فلماذا لا يوجب دليل التأسّي النطق بالعربية لكلّ مسلم وهجر لغته ، ومجرّد كون هذه عبادة دون تلك لا يوضح نكاتاً ظاهرة في المسألة . هذا مضافاً إلى مناقشة كبروية في دليل التأسّي لا مجال لذكرها هنا ، بل قد يكون نطقهم بالعربية واجباً ، لكونهم يعرفون العربية ، فلا يقدّم ذلك دليلًا على وجوب العربية في حقّ غير العربي الذي لا يعرفها ، وإن أمكنه تعلّمها .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 276
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٦