توقيفيّة ولابد لنا من أن نأخذها كما وردتنا بدون إعمال أيّ اجتهاد ، فمعنى ذلك الاقتصار في أداء الصلوات على الإتيان بها بالعربيّة الصحيحة كما وردتنا ، وهو معنى توقيفيّتها . وقد تمسّك بهذا الكلام بعض الفقهاء كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد والسيد العاملي في المدارك وغيرهما .
وهذه الصيغة للاستدلال لا تفي بالمطلوب ؛ إذ نسأل : ما معنى أنّ أقصى ما وردنا عن الصلاة هو إيّاها باللغة العربيّة ؟ لقد كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وأصحابه عرباً ، ومن ثمّ فمن الطبيعي أن تكون صلواتهم بالعربيّة ، كما أنّه من الطبيعي أن يعلّموا أصحابهم مفردات الصلاة باللغة نفسها ، بحكم أنّ المحاورة فيما بينهم كانت تقوم على أساس العربيّة والتي هي لغتهم الأم في الأغلب ، ومن هنا فماذا يتوقّع أن تكون النصوص التي بين أيدينا ؟ وبأيّ لغة ؟
قد يقال : إنّ عدم أدائهم الصلاة أو تعليمها لأصحابهم بغير العربية ولو مرّة واحدة شاهدٌ على أنّ من يعرف العربيّة لا يجوز له أداء صلاته بغيرها ، وإلا فلو كانت العربية مستحبّةً للزم التنبيه - قولًا أو فعلًا - على جواز خرق قاعدة العربيّة في الصلاة بحكم وظيفتهم ، ولما كرّروا بلا انقطاع أداء الصلاة بالعربيّة لمدّة ثلاثة قرون كشف ذلك عن كون العربية شرطاً لازماً ، لا أقلّ لمن يعرفها .
والجواب : إنّ هذا الكلام صحيحٌ لو افترضنا أنّ أداءهم صلواتهم أو تعليمها بالعربيّة سوف يفرض في ذهن الآخرين وجود هذا الشرط ، وإلا فهل يعقل أن نلتزم بلزوم الكلام بالعربيّة مطلقاً في الصلاة وغيرها ؛ لأنّهم لم يصرّحوا ولا مرّة واحدة ولم يتكلّموا بغير العربية في مجتمع المسلمين ؟ ! بل كيف أجاز الفقهاء في غير العبادات سائر اللغات مع كون هذا الدليل بعينه جارٍ هناك ؟ إنّ هذه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 275
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٥