تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ورسوله ، بل في بعض الأحاديث أنّها توجب نقض وضوئه أيضاً ، والموقف من هذه الروايات اختلف بين العلماء في الجمع بين الفتاوى المعروفة في هذا الصدد وبين دلالة هذه النصوص ، وأبرز المحاولات التي تحلّ المشكلة هنا ما يلي : المحاولة الأولى : وهي محاولة اختارها جمعٌ من الفقهاء والمحدّثين ، وتقول بأنّ المقصود من هذه الروايات ليس بطلان الصوم حقيقةً بما يوجب القضاء مثلًا ، بل المراد نقض كمال الصوم ، فكأنّها تريد أن تقول بأنّ الصوم الكامل لا يتحقّق مع الغيبة ، ولا تريد أن تقول بأنّ الصوم أساساً لم يتحقّق من رأس ، ويشهد لهذا الفهم التسالمُ والإجماع والاتفاق القويّ جدّاً بين جميع مذاهب المسلمين على عدم اعتبار هذه الأشياء من المفطرات ، فيكون ذلك بمثابة شاهد وقرينة على أنّ المراد بنقض الوضوء أو إبطال الصوم هو نقض الكمال لا الحقيقة . ولكنّ هذه المحاولة التي تعدّ من أبرز المحاولات هنا غير واضحة إذا لم نطوّر من طريقة الاستدلال ، فإنّ طريقة البيان في هذه الأحاديث تشابه طريقة البيان في سائر الأحاديث الواردة في المفطرات ، بل هي تشبه طريقة البيان الواردة في مفطّرية الكذب على الله ورسوله ، فكيف قبلوا هناك بإفادتها المفطرية ولم يقبلوا هنا ، مع أنّ التركيب واحد ؟ ! وأمّا القول بأنّ التسالم هو الشاهد فهذا المقدار غير واضح ، فلعلّ التسالم نشأ من عدم تحصيل القدماء الوثوق بصدور هذه الأحاديث ، وهذا غير أنّ تسالمهم يشكّل قرينةً دلالية على تفسير النصّ ، فما دام تسالمهم يرجع إلى جانب صدوري - ولو احتمالًا - فلا يصحّ اعتباره شاهداً في باب الدلالات ، بل قد يكون منشأ التسالم أنّهم استوحوا من هذه الروايات أنّها بصدد بيان أمر أخلاقي أو كمالي ، وفهمهم ليس بحجّة علينا . وسيأتي إن شاء الله أنّه من الممكن أنّهم يريدون شيئاً آخر قد نبيّنه بشكل مختلف فانتظر .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 271 | حيدر حب الله