تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وهو أنّ العلماء ظنّوا أنّه ما دام الخمس ثابتاً ، فلابد من جبي النبيّ له ، مع أنّه من الممكن أن يكون الخمس نوعُ ضريبةٍ واجبة ، لكن اختياريّة ، لا تقوم الدولة بجبيها عبر العمّال الجباة للضرائب كما هي الحال في الزكاة والخراج وغير ذلك ، فلو ثبت الخمس في أرباح المكاسب فيمكن تخريج عدم إلزام النبي وجبيه للأخماس بأنّه كاشف عن عدم كون ضريبة الخمس ممّا تُلزم به الدولة رعاياها ، أو على كونه - لو تمّ - ممّا لا يُعطى للحاكم الشرعي وإنّما تصرفه الناس فيما بينها ، تماماً كزكاة الفطرة . فلا يبدو لي أنّ عدم جبي النبي للخمس دليلٌ مقنع على سقوط وجوب الخمس ، بل هو غايته دليلٌ مقنع على عدم كون الخمس ممّا يجب على الدولة أن تجبيه وتأخذه من الناس . بل حتى لو تنزّلنا فيمكن القول بأنّ النبي قد ترك ذلك محيلًا الأمر إلى اختيار المكلّفين ؛ نظراً لثقل الضريبة على المجتمع الإسلامي آنذاك باجتماع الخمس والزكاة عليه معاً ، بما قد يصعب تحمّله على بعض ضعاف النفوس ، فالنبيّ لطف بحال المسلمين فترك أخذ الأخماس منهم ، تاركاً لهم حريّة تطبيق هذه الضريبة فيما بينهم ، دون أن يُرسل الجباة لكي يأخذوا هذه الضريبة منهم ، أو لخوفه من حصول ردّات فعل سلبية على أخذ هذا المقدار الكبير من المال مع الزكاة بما قد يبعد الناس عن الإسلام أو يكون فرصةً لإثارة المنافقين للقلاقل . فلا أجد مشكلةً في عدم جبي النبي للأخماس ؛ لأنّه ضرب من الفعل النبوي الذي يحتمل العديد من الاحتمالات في تفسيره ، وليس نصّاً يحكي عن ذاته ومضمونه ، والفعل عند الأصوليين دليل صامت ينفتح على احتمالات ، بخلاف اللفظ في العادة . إنّما المشكلة الأساسيّة هي أنّه لو كان خمس المكاسب فريضة ثابتة في العصر