ومن الطبيعي أنّ المكر بهذا المعنى العام قد يكون فعلًا جيّداً وقد يكون فعلًا مذموماً ، ولهذا لاحظوا كيف أنّ القرآن الكريم صنّف المكر إلى سئ وغير سئ ، قال تعالى :
( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ )
( آل عمران : 54 ) ، وقال سبحانه :
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ )
( الأنفال : 30 ) ، وقال تعالى :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ )
( فاطر : 10 ) ، وقال عزّ من قائل :
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )
( فاطر : 42 - 43 ) .
وخلاصة الكلام : إنّ الله يمكر ، والمعنى لغةً هو أنّه يخطّط ويدبّر ويأخذ بالوسائل للوصول إلى هدفه ، فيما الناس في غفلةٍ عن ما يراد بهم ، وهم منشغلون بالدنيا والملذات والأهواء . وأهداف الله حقّةٌ خيرٌ يواجه بها المفسدين والظالمين ، فليس في استخدام هذه الكلمة أيّ منافاة لمقام الألوهيّة .
نعم ، قد تطلق كلمة المكر ، وتنصرف في بعض الاستعمالات إلى التخطيط العدواني الخفيّ على الآخرين ، لكنّ هذا ليس هو المعنى اللغوي الحصري لها ، بل أصلها اللغويّ أعمّ من ذلك .
584 - لماذا لا توجد موسوعة حديث نبوي برواية أهل البيت ؟ !
* السؤال : خبر جابر بن يزيد الجعفي ، قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي