تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
2 - إنّ مكر الله هو ردّه وإبطاله لمكر العباد الكافرين الفاسقين ، فالله لا يمكر بالمعنى الذي نفهم بل هو يردّ المكر ، فسمّي ردّ المكر مكراً . وهذان المعنيان يبدوان مجرّد افتراض ، لا يصحّ إلا في حال ما يُسمّى في اللغة العربيّة بمجاوزة الكلام ، كما في مثل قوله تعالى :
( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ )
( آل عمران : 54 ) ، فإنّ تعبيره بالمكر هنا جاء لمقابلة مكرهم فسمّاه مكراً ، وهذا موجود في اللغة العربيّة ، قال تعالى :
( وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
( الشورى : 39 - 40 ) ، وقال تعالى :
( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )
( البقرة : 193 - 194 ) . فإنّه سمّى ردّ السيئة بأنّه سيئة ، وعبّر عن ردّ العدوان بأنّه عدوان ، مع أنّ الردّ لا هو بالسيّئة ولا هو بالعدوان ، وإنّما ذلك - كما قال اللغويّون والبلاغيون - من باب مجاوزة الكلام ومقابلته ، فإنّ العرب قد تسمّي عقوبة الشيء باسم ذلك الشيء ، وقد تسمّي دفع ذلك الشيء باسمه ، وقالوا بأنّ مثله قوله تعالى :
( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا )
( النساء : 142 ) ، وقوله تعالى :
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
( البقرة : 14 - 15 ) . وبناء عليه فإنّ إطلاق المكر على الله من باب المجاوزة ، ومعناه : إنّ الله