تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
راجعنا كلمة الاحتيال والحيلة فهي لا تعني في لغة العرب الأمر المذموم فقط ، بل تعني مطلق الوسيلة ، فالشخص يقوم بتحويل الشيء وتقليبه ليرى كلّ طرقه ومنافذه ، قال في ( كتاب العين 3 : 297 ) : ( الاحتِيالُ والمُحَاوَلة : مطالبتك الأمر بالحِيَل ) ، فقد جعل المحاولة مثل الاحتيال ، وأنّهما بمعنى الوصول إلى الشيء بالحيل ، وقال في ( المحيط في اللغة 3 : 208 - 209 ) : ( الحَوْلُ : الحِيْلَةُ ، ما أَحْوَلَهُ . والْمَحَالَةُ : الحِيْلَةُ ، وكذلك الحَوِيْلُ . والحِوَلُ والمَحِيْلَةُ . والمُحَاوَلَةُ : مُطَالَبَتُكَ الأمْرَ بالحِيَلِ . ورَجُلٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ : ذو حِيَلٍ ، وحَوَالِيٌّ أيضاً . ويقولونَ : لا حُوْلَةَ : أي لا حِيْلَةَ . وحالَ الرَّجُلُ حَوْلًا وحِيْلَةً ، واحْتالَ . وما فيه حائلَةٌ : أي حِيْلَةٌ . . ) . ومن هذا كلّه نستنتج أنّ المكر هو الاحتيال ، لاسيّما مع عدم شعور الطرف الآخر ، وأنّ الاحتيال معناه في اللغة الاستعانة بالحِيَل ، وأنّ الحِيَل في اللغة هي الوسائل والطرق والأسباب والإمكانات ، ولهذا تربط الحيلة في اللغة بالحول والقدرة ، ومنه ( لا حول ولا قوّة إلا بالله ) ، أي لا حيلة لنا إلا به ، أي لا إمكانات لدينا لفعل شيء أو للخروج من شيء إلا بالله تعالى . ومن هذا الباب قول العرب : فلانٌ لا حيلة له ، أي لا إمكانية ولا مفرّ ولا وسيلة له لفعل شيء أو للخلاص من شيء ، فهو عاجز مفتقر . فإذا أدركنا الجذر اللغوي للكلمة ، أمكن أن نعرف بأنّ الله يمكر أيضاً بلا حاجة للمجاوزة ولا للمقابلة ولا لغير ذلك ، ومعنى أنّه يمكر هو أنّه يخطّط ويدبّر ويستخدم الوسائل والأسباب ليصل إلى ما يريد ، من حيث لا يعرف البشر أسرار فعله وتخطيطه ، ولأنّ الله هو المالك المطلق والمقتدر الأعلى لكلّ الوسائل والإمكانات قال :
( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ )
( الرعد : 42 ) .