تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
على هامش الحديث الشريف مثلًا ، وهذه من النماذج التي تجلّت وما تزال في غير موقع من حياتنا الفكريّة والدينيّة . لنأخذ مثالًا بسيطاً على هجران القرآن الكريم ، وهو غياب مفهوم ( اليوم الآخر ) الذي نافح القرآن وناضل من أجله في مئات من الآيات الكريمة . إنّ اليوم الآخر أو يوم القيامة ليس حدثاً زمنيّاً فقط يريد أن يخبرنا عنه الله في كتابه المجيد ، إنّه مفهوم عملي يستدعي الحضور في حياتنا ، ومن آثاره الشعور ( وليس مجرّد الاقتناع الفكري المضمر والخافت ) بأنّ الدنيا هي حقّاً دار ممرّ ، وأنّها - فقط - جزء بسيط من حياتنا العامّة التي سنحياها في خلق الله لنا ، وهذا المفهوم يكشف لنا - كالعيان - معنى الحياة الدنيا ، وأنّها دار امتحان واختبار ، فعندما لا نجد النعيم في دار الدنيا فنحن نعترض على الحكمة الإلهيّة ، ونقول : لماذا كانت حياتنا الدنيا بهذه الطريقة ؟ فنفقد الرضا والتسليم ، وهما الشعار الكبير للإسلام العملي . وهكذا عندما نلاحظ حجم اهتمامنا بإعمار دنيانا ونقارنه بحجم اهتمامنا بإعمار آخرتنا فسوف نجد أنّ ما نبذله لإعمار دنيانا يشكل 99 في المائة من حياتنا ، وهو قدر أعظم بكثير من الوقت الذي نمنحه لإعمار آخرتنا التي تشكّل أغلب حياتنا الحقيقيّة ، بل هي الحياة الحقيقيّة بحسب المضمون القرآني . ولو قارنّا حياة المسلمين اليوم مثلًا سنجد بوضوح قدراً لا بأس به من غياب مفهوم الآخرة ، الأمر الذي يكون لصالح مفهوم الدنيا ، فتتعزّز حظوظ الدنيا في وعينا على حساب حظوظ وأولويّات الآخرة ، وهذه من أشكال هجران واحد من أعظم مفاهيم الديانات عبر التاريخ ، أعني حقيقة الدنيا والآخرة . بل حتى ( الله ) ، فكم يحظى الله في يومنا الواحد باهتمامنا ؟ ! إنّه لا يحظى سوى