الواضع بوضع حديث يعارض بكلّ بساطة بديهيات العقل بهذا المعنى ؟ ! وهل كان الواضعون سذجاً إلى هذا الحدّ ؟ وهل كانوا حمقى ليسندوا إلى الرسول والصحابة وأهل البيت أموراً منافية لبديهيات العقل الإنساني ؟ !
من هنا ، يحاول النقّاد أن يذهبوا إلى أنّ العقل هنا هو تارةً المعطيات البرهانية المؤكّدة بالدليل الحاسم عبر البحث العلمي أو المنطقي أو الفلسفي ، وأخرى المنطق الطبيعيّ للأشياء ، لا العقل النظري البديهي أو العملي الأوّلي فحسب . فهذه الرواية التي قرأناها قبل قليل - سواء بشكلها الوارد في المصادر السنّية أم بطريقة بيانها الشيعي - لا تخالف بديهيات العقل بهذا المعنى ، لكن مع ذلك يقولون بأنها تخالف العقل .
من هنا ، يبدو أنّ المراد بالعقل عندهم كلّ عقل سليم يفهم منطق الأشياء ويحمل ذوقاً سليماً معتدلًا ، مثلًا يمكن أن يكون النبي سليمان له ألف زوجة أو ألفين يجامعهنّ كل ليلة ، فالعقل بالمعنى الأول لا يمانع ذلك ، لكنّ العقل السليم الذي يملك ذوقاً لطبيعة الأشياء يرى ذلك غير صحيح ، ما لم تأتِ الشواهد الداعمة على وجود إعجاز استثنائي في الأمر ، فإنّه كلّما كان الأمر غير عادي احتاج لمزيد من الشواهد للاقتناع به ، وفقاً لما ذكروه في مباحثهم حول التواتر ، سواء في علم أصول الفقه أم في علم الحديث والدراية .
كذلك الحال على مستوى العقل العملي ، فإذا جاءت رواية تجيز للأب معاقبة الابن بقضم لحمه بالمقاريض أو قطع إصبعه وهو لم يبلغ الحلم ، فإنّ العقل هنا لا يقبل منطق هذا التشريع ؛ لأنه يرى فيه ظلماً وجوراً ، والله أجلّ من أن يظلم . وعلى هذا فقس ، مثل ما جاء في بعض كتب الحديث الشيعية من رواية داود بن فرقد ( الصحيحة السند ) ، والتي تقول بأنّ بني إسرائيل كانوا يطهّرون لحومهم
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 199
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٩