تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
له ، والمصالح الراجعة لزيد أو عمرو من وراء هذا الحديث أو ذاك وهكذا . وبناء عليه ، لا يوجد معيار رقمي محدّد في هذا المضمار ، تماماً كما هي حال المؤرّخين ، فالقضية نسبية بهذا المعنى ، وتتبع الخلفيّة الفكرية والتاريخية عند هذا العالم أو ذاك ؛ ولهذا كنّا نقول مراراً بأنّ دراسة تاريخ الحديث والتجربة النقليّة في القرون الأولى وترك لغتي : التبجيل والتسقيط ، من شأنه أن يوصلنا إلى قراءة أكثر توازناً لحال الحديث في تلك الفترة الحسّاسة ، أمّا أن نشطب على تاريخ الحديث كلّه بكلمة واحدة أو نقدّس الرواة وكأنّهم أشبه بالمعصومين ونتكلّف لهم الأعذار ، أو نعتبر أنّ الإطاحة بالحديث الفلاني هو تضعيف للدين وكأنّنا فرضنا مصادرةً مسبقة وهي أنّ هذا الحديث هو من الدين ، مع أنّ ذلك أوّل الكلام ومحلّ التنازع والخصام . . فهذا ما لن يوصلنا إلى نتيجة معقولة منطقيّاً . والغريب أنّ أهل المذاهب تجدهم يمارسون في حقّ غير مذهبهم طرقاً في نقد الحديث يعرضها الشلل عندما يأتون إلى أحاديث مذهبهم ، فالنقد الحديثي تجده نشطاً بارعاً في حقّ الحديث الذي ترويه المذاهب الأخرى ، بينما تجد الشلل يصيب عقل هذا الناقد نفسه عندما يدخل مجال حديث مذهبه ، بل إنّ بعض الإشكالات التي أوردها هو بنفسه على حديث غيره ترد بعينها على حديث مذهبه ، وبعض الدفاع الذي يسجّله لصالح حديثه يصلح أيضاً لصالح حديث المذاهب الأخرى ، ولكنّ لعلّ المذهبية هذا شأنها والفئوية هذا دينها ، حتى أنّك لتجد ذلك داخل المذهب الواحد بين التيارات ، فهو عقلاني في نقد حديث التيارات الأخرى ، ولكنّه يصبح تعبّدياً مسلوب الإرادة عندما تأتي الأمور إلى الأحاديث التي يؤمن هو بها ، مع أنّ النقد هنا قد يصلح هنا وبالعكس .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 195 | حيدر حب الله