لنا ؟
توجد هنا ميول متعدّدة ، فأحياناً تجد عالماً يرى حجيّة الخبر الاطمئناني فقط ، لكنّه من الذين يحصل لهم الاطمئنان بالخبر لو ورد في أحد الكتب الأربعة أو كان له سندان أو كان مضمونه مما أخذ به المشهور أو كان موافقاً للقرآن وسائر النصوص ، أو نحو ذلك ، فمثل هذا الشخص قد لا تجده بعيداً في عالم الميدان والتطبيق عن القائل بحجية الخبر الظنّي ؛ إذ ما كان ظنّاً عند الآخرين يراه هو يقينياً ، فيكون خلافه مع الآخرين خلافاً أصوليّاً نظريّاً ، وليس حديثياً وتاريخياً وإثباتياً وفقهيّاً ، بينما تجد في أحيان أخر أنّ عالماً آخر لا يحصل له الوثوق والاطمئنان بصدور الخبر من مجرّد ذلك ، وقد تجده غير متساهل مع الرواة ، فيُكثر من كشف عثراتهم ، ويتحفّظ عن اعتبارهم قليلي الخطأ في النقل ولو كانوا ثقاتاً ، ونظراً لرؤيته التاريخية لحال الرواة والروايات لا يُسرع اليقين إلى قلبه ، بل يرى أنّه لابد أن يكون الخبر متعدّد المصادر ومتعدّد الأسانيد ، مع موافقته للكتاب والعقل وسائر النصوص ، وأن يكون متنه سليماً ، وقد تجد هذا العالم نقاداً في المتن فيثير الشكوك حول الكثير من المتون ممّا قد لا يراه الآخرون نقداً موفقاً أو صائباً أو قد لا يلتفتون إليه ، فإنّ هذه الحالة المتشدّدة تفضي بشكل تلقائي إلى تضاؤل عدد الأحاديث المعتبرة عند هذا العالم مقارنةً بتلك المطمأنّ بصدورها عند العالم الأوّل .
فالموضوع ليس أصوليّاً فقط ، بل هو ميدانيٌّ يتبع خبرة العالم وطريقة تعامله مع تاريخ الحديث ودرجة وثوقه وتعاطيه بجدّية أو بغيرها مع مشاكل الحديث وقضايا النقل بالمعنى واختلاف الروايات وتضارب المرويات ، لا سيما إذا كان يلاحظ أيضاً الحديث نفسه عند سائر المذاهب الإسلامية ومدى وجود معارض
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 194
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٤