ثالثاً : إنّ تعطيل الأحكام لا يلزم أن يكون بالضرورة عن علم ، فقد تُعطّل الكثير من الأحكام الشرعيّة نتيجة الاجتهادات الخاطئة التي يُعذر عليها أصحابها ، كيف وكثير اليوم من أنصار الإسلام السياسي - إذا صحّ التعبير - يقولون بأنّه عُطّلت الكثير من الأحكام نتيجة اجتهادات خاطئة . بل لنفرض أنّها عُطلت عن عمد مع العلم بها ، فهذا لا يعني أنّ علماء الدين بيدهم أمر تنفيذ الأحكام ؛ لأنّ الواقع ليس كلّه بيد علماء الدين حتى نقول بأنّه لو عطّلت بعض الأحكام فهم يتحمّلون المسؤوليّة ، فقد يكون تعطيل بعض الأحكام خارجاً عن قدرتهم على التغيير ، ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها .
بل حتى لو فرضنا أنّ بعض الأحكام عطّلت وهم سكتوا ، فهل هم معصومون حتى نقول بأنّه يستحيل عليهم ذلك ؟ ! نعم من البعيد جداً أن تعطّل الأحكام الإلهيّة ولا يُبدي ولو بعض العلماء موقفاً رافضاً - ولو كلاميّاً ولفظيّاً - لا سيما مع مرور زمنٍ طويل وعدّة أجيال على عمليّة التعطيل هذه .
رابعاً : إنّ الكثير من الأدعية جاءت متناسبةً مع ذكوريّة النبيّ أو الإمام ، لأنّه هو الذي يقول هذا الدعاء ، وقد تأتي متناسبةً مع حالته ، فأنت عندما تقول في الدعاء مثلًا : ( حرّم شيبتي على النار ) ، مع أنّه قد يكون عمرك خمس عشرة سنة ، فلا لحية لك فضلًا عن شيبة - ومثل هذا كثير في الأدعيّة - فهنا إمّا أن يُلتزم بالتلفّظ بهذه الألفاظ تعبّداً ، أو يقال بأنّ على كلّ إنسان أن يقول ما يناسب حاله ، وإنّما قال الإمام ما قال لأجل تناسب ما قاله مع حاله من كونه ذكراً كبيراً في السنّ له شيبة أو غير ذلك ، فأنت تسأل الله الحفظ لأولادك وقد تكون عقيماً لا ولد لك ، وهكذا ، ما لم ندخل في التقديرات والتأوّلات ، كأن نقول بتحريم شيبتي على تقدير كبر سنّي ، أو بحفظ أولادي على تقدير مجيئهم في المستقبل .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 189
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٩