إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )
( آل عمران : 102 - 105 ) .
إنّ هذه الآية توجّه خطابها - في مطلعها وسياقها كلّه - إلى المؤمنين وليس إلى الناس ، وتطالبهم بأن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرّقوا ، فإنّ تفرّقهم معناه أنّهم سيصيرون كغيرهم من الذين دخلهم البغي والظلم فاختلفوا في الدين ، فهذه الآية هنا إنشائيّة ، فيما الآية السابقة إخباريّة ، ولا تنافي بينهما ، ففي الوقت الذي تخبر الآية السابقة بأنّ بين الناس اختلافاً في الدين سببه الظلم والبغي ، تأمر الآية اللاحقة المؤمنين بأن لا يختلفوا ولا يسقطوا في الظلم والبغي والانحراف ، ليكونوا مصداقاً للاستثناء الذي جاء في الآية 119 من سورة هود
( إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ . . )
، أي ليكونوا ممّن رحمه الله بهدايته وعدم وقوع الاختلاف فيه حول الدين ، فلا تنافي إطلاقاً بين الاثنين ، فأنت تقول : إنّ الناس يظلم بعضهم بعضاً ، ثم تقول لأهل مدينتك : لا تظلموا بعضكم ؛ لتكونوا استثناءً في الناس .
بل أنت تقول للناس جميعاً : لا تظلموا بعضكم بعضاً ، وأنت تعرف أنّ هناك من يظلم ومن لن يسمع لقولك ويطيع أمرك ، وهذا ليس بتناقض ( بل كلّ الأخلاقيين والقانونيّين يفعلون ذلك لجعل بياناتهم عامّة تقعيدية ) ؛ لأنّ الجملة الإنشائيّة لا تحتاج لتبريرها المنطقي أن يكون تحقّق تمام مصاديقها ومطلوبها أمراً واقعاً بعدها بالضرورة ، بل يكفي توجيه خطاب دعوي للجميع ، لكي يهتدوا ، فتُلقي الحجّة عليهم بطلب هدايتهم ، مع علمك بأنّ الذين سيهتدون من قولك هم الربع منهم فقط ، فأيّ تنافٍ مفترض ؟ ! فكلّ المصلحين ورجال القانون