وفجأةً ومن دون معطيات جديدة يتلاشى عندك هذا العزم وتذوب هذه النية وتفتر ، فهذه الظاهرة النفسيّة لست أنت العلّة فيها ، إذ المفروض أنّك لم تقصد ذلك وإنمّا حصل عندك قهراً ففترت الهمّة ، فإذا لم تكن أنت العلّة فلا بدّ من علّة أخرى فوقك هي التي أحدثت ذلك في نفسك ، وليست إلا الله سبحانه ، بعد عدم كون العلّة هي الأشياء المحيطة بك والتي لا تلج إلى باطن نفسك ، ومن دون هذا الفرض يكون حدوث هذه الظواهر النفسيّة عندك كحدوث المعلول بلا علّة بعد فرض عدم كونك العلّة لها .
وهذا التفسير ينسجم مع بحوث المتكلّمين التي تعرّضوا فيها للخواطر القهريّة ، حيث قالوا بأنّ الخواطر القهريّة التي تقع للإنسان لا بد أن تكون من الله ؛ لأنّ الفرض أنّ العبد غير ملتفتٍ إليها ، فلا يمكن أن يكون هو العلّة لها ، وعليه يصبح هذا التفسير للحديث قريباً أو في معنى قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
( الأنفال : 24 ) ، بناءً على أحد التفاسير المحتملة لهذه الآية الكريمة ، وكذلك الحديث القائل : ( يا مقلّب القلوب والأبصار ) .
التفسير الثاني : وهو عين التفسير الأوّل ، لكن من دون حصر هذه الظواهر النفسيّة بتلك التي لا يُعرف سبب وجودها وحدوثها في النفس ، بل الحديث شامل لكلّ الظواهر النفسيّة ولو التي نشأت عند الإنسان لسببٍ معروف ومعقول ، فعلى التفسير الأوّل يكون الفاسخ للعزائم طرف آخر غير الإنسان ، فيما على التفسير الثاني يمكن أن يكون الفاسخ لها هو الإنسان نفسه كما يمكن أن يكون طرفاً آخر غير الإنسان .
وبناء على التفسير الأوّل والثاني ، يعود برهان فسخ العزائم إلى برهان