تساعد على هذا التفسير الرابع .
التفسير الخامس : أن يكون المراد بيان عجز الإنسان معرفيّاً في مقابل سعة العلم الإلهي ، فالحديث مربوط بالعلم لا بالقدرة ، ولا بأصل وجود الله تعالى ، فيكون معناه : إنّ الإنسان عندما يعزم على شيء ويريد أن يفعله ، ثم ينكشف له أنّ هذا الفعل لم يكن صحيحاً ، فيترك فعله ويفسخ إرادته وعزمه ونيّته ، فهذا يعني أنّ الإنسان جاهل ، ولا يملك الإحاطة بكلّ تفاصيل الأمور ، ويدرك أنّ فوقه من هو عالم بكلّ التفاصيل ، وأنّه لا يملك الضعف العلمي كما يملك هو هذا الضعف .
هذه هي التفاسير المحتملة في هذا الحديث ، وقد يناقش الإنسان في صحّة أو قيمة هذا الحديث مضمونيّاً على بعض هذه التفاسير . ولكنّ هذه التفاسير تختلف عن بعضها فبضعها يرشد إلى معرفة أصل وجود الله تعالى عبر فسخ العزائم ، وبعضها يرى أنّ المعرفة ليست لأصل وجوده ، بل لصفاته أو قدرته أو علمه أو طريقة هيمنته على العالم .
وإنّني أميل إلى اعتبار مثل هذا الحديث بمثابة منبّهات وجدانية فطرية للإنسان ليلتفت إلى ضعفه ووجود من هو فوقه ، ولا يبدو لي صحّة تحويل هذا الحديث إلى برهان علمي فلسفي يتألّف من مقدّمات ، فما قيل حتى الآن في ذلك أضعف من أن يتحوّل إلى دليل مستقلّ في البرهان العلمي على وجود الله ، وفي ألسنة الكتاب والسنّة الكثير من الاستدلالات التي تقوم على التنبيه والإقناع أكثر ممّا تقوم على البرهان وقواعد المنطق الصارمة ، فكأنّ الحديث يريد أن يشير إلى عدم تحقيق الإنسان ما يريد إمّا لجهله أو لتبدّل وعيه أو لضعفه ، وأنّ ذلك يعطيه تنبيهاً على أنّه ليس مسيطراً على العالم رغم أنّه أقوى من الجمادات
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 164
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٦٤