الظواهر لا يراد منها اكتشاف وجود الله فحسب من خلال نظام العليّة والسببيّة ، بل معرفة الله بأنّه القوّة الروحيّة القادرة على التصرّف في النفس الإنسانيّة بما يعجز الإنسان نفسه عنه ، فالحديث يكشف حيثيات في معرفة الله لا جانباً واحداً وهو أصل وجود الله ، فالله - في هذا الحديث - هو القوّة الغيبيّة القادرة على التصرّف في باطن النفس الإنسانية بطريقة خفيّة ، لا يقدر عليها أحدٌ في العالم من الجمادات والحيوانات والبشر ، بل هي فوق قدرة الإنسان نفسه ، فمن العجز نكتشف الله القادر والمهيمن والمسيطر على القلوب ، لا أنّنا نكتشف فقط وجود الله .
التفسير الرابع : أن يكون الحديث بصدد بيان أنّ الإنسان قد يعزم على شيء ويكون هذا الشيء في متناول يده ويقدر عليه ، لكن مع ذلك نجده يفشل في تحقيقه ، فنكتشف أنّ الله سبحانه هو الذي تحكّم بمفاصل الأمور ، فأفشل له ما بدا أنّه من الأمور الواقعة منه لا محالة ، فيكون فسخ العزيمة أو منع الهمّة أو حلّ العقد ، بمعنى فشل هذه الثلاثة في تحقيق أغراضها في الخارج ، فقد أردتَ أن تشرب الماء وكان الماء إلى جانبك ، لكن وفجأةً جاءت الهرّة وسكبت الماء على الأرض ، فلم يكن لك ما تريد ، فأبطل الله نيّتك وأفشل عزيمتك وفكّ ما عقدت عليه من الفعل .
وهذا الحديث - بناء على هذا التفسير - يكون بصدد بيان هيمنة الله وقدرته وتأثيره في الوجود وتدخّله لوضع الحيلولة بين الإنسان وما يريد ، مثبتاً عجز الإنسان في مقابل ظنّه بأنّه قادرٌ على تحقيق ما يريد ، فلا يهدف الحديث إلى إثبات وجود الله ، بل إلى بيان نوع العلاقة بين القدرة الإلهيّة والقدرة الإنسانيّة فيما تشملانه من معنى الإرادة . ولعلّ الصيغة الطويلة المتقدّمة آنفاً لهذا الحديث
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 163
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٦٣