الوجوب والإمكان أو إلى برهان الحدوث وغيرهما من البراهين الراجعة إلى قانون العليّة واستحالة الدور والتسلسل ، ولا يُصبح برهاناً جديداً على وجود الله تعالى ، بل هو مجرّد تطبيق للقانون العام لبرهان الإمكان أو الحدوث اللذين تعرّض لهما الفلاسفة والمتكلّمون بالتفصيل ، وربما لهذا لم يُدرج هذا الحديث في إطار دليل مستقلّ على وجود الله سبحانه ، بل اعتبر بمثابة أحد تطبيقات البراهين الفلسفيّة الأخرى ، إذ لا معنى لجعلة برهاناً مستقلًا بعد كونه مجرّد مثال باطني محسوس بالحسّ الباطن لقانون العليّة .
التفسير الثالث : أن يراد بيان أنّ الإنسان الذي لا تملك الأشياء من حوله السيطرة على ما في باطنه ، وإن امتلكت السيطرة على جسده ، يحصل أن يفقد السيطرة على باطنه فيتلاشى عزمه وتفتر همّته وتضيع نواياه وقصوده بغير قصد منه ولا إرادة ، فيكتشف بذلك أنّ الأمور التي تحصل في نفسه هي من قوّةٍ أكبر منه ، إذ هو يعرف أنّ ما حوله من الأشياء والحيوانات والبشر لا يدخلون إلى أعماق روحه للتصرّف فيها ، فلابدّ أنّ الذي فعل ذلك هو قوّة استثنائيّة حقّقت هذا الأمر ، وهي أقوى منه ، ولها قدرة التأثير في ذاته بما لا يقدر عليه أحد آخر ، فيكتشف من ذلك عجزه من جهة ، ووجود قوّة روحيّة عميقة لها قدرة التأثير في أعماقه بطريقة لا يملك هو فيها القرار ، فيكون الحديث بصدد الاستدلال على معرفة الله تعالى من هذه الزاوية ، وهي الزاوية الروحية المنطلقة من العجز الإنساني .
وهذا التفسير يختلف عن سابقيه ، ففي التفسير الأوّل والثاني كنّا نقول : هذه الظواهر النفسيّة وقائع خارجيّة لابدّ لها من علّة ، وعلّتها حيث لم تكن الإنسان نفسه مثلًا فلا بدّ أن تكون الله تعالى ، بينما في التفسير الثالث نحن نقول : هذه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 162
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٦٢