على هذا المقياس لإثباته ، فإذا لم يُثبته فلا قيمة علميّة ولا معرفيّة له .
والنقطة المهمّة هنا ليس في أدائهم هذا ، فهذا أداء صحيح ومنطقي ، إنّما المهم في خوض حوار معهم هو أن يجعل الحوار في البُنيات الفلسفية لهذه القناعة بالمرجعيّة الحصريّة لهذه العلوم ، فالحوار الديني - الإلحادي ( بالمعنى المعاصر الواسع لكلمة الإلحاد ، وليس إنكار الله فقط ) إذا ظلّ يدور حول الخلاف في نقاط معيّنة هنا وهناك في قضية دينية هنا وهناك فلن ينتهي ، وقد لا يصل إلى نتيجة ؛ لأنّ المُلحد يطالب الديني بأن يثبت له شيئاً وفقاً للمعايير التي آمن هو بها ، فهو يفرض على الديني معاييره ، فإذا لم يقدّم له دليلًا من معاييره فهذا يعني عنده أنّ معطيات الديني باطلة ، وهذا صحيح قياسيّاً ، لكنّه يُفهمنا أنّ الحوار كان ينبغي - لكي يكون مفيداً ويتجنّب تكرار المشاهد المتشابهة - أن يقوم على الأسس ، أي على اعتبار العلم الحديث مرجعية معرفيّة حصريّة أم لا ، واعتبار الفلسفة مرجعيّة معرفيّة فاشلة أم لا ، واعتبار النصّ الديني مرجعيّة معرفية باطلة أم لا ، واعتبار مثل الفيزياء النظريّة جهداً تجربيّاً محضاً أم نشاطاً فلسفيّاً في جوهره . . وغير ذلك ، فيجب أن يكون البحث ايبستمولوجيّاً بامتياز ، وإلا فلن نصل إلى نتيجة سوى تسجيل نقاط بشكل متكرّر على بعضنا .
ولكي أوضح فكرتي أكثر لنعكس المشهد ، ولنفرض أنّ الديني لا يؤمن بمصدر معرفي آخر غير النصّ الديني ( القرآن أو الإنجيل أو التوراة . . ) ، ثم جاءت العلوم الطبيعيّة وأثبتت شيئاً ما مثل أنّ الشمس متكوّنة من الهيدروجين والهيليوم وبعض الغازات الأخرى ، فهنا سيقول الديني لخصمه : هل يمكنك أن تثبت لي بالنصّ الديني أنّ الشمس متكوّنة من الهيدروجين والهيليوم و . . ؟ فإذا أمكنك فسوف أقتنع معك ، وإذا عجزت فلن أؤمن بنتائج العلوم الطبيعية ،
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 131
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٣١