أما الرؤية فإنها تتعلّق بأمر بسيط ومفرد وخارجي ، أي بمفرد عيني ، أي أمر بسيط خارجي ، وهذا هو العلم الحضوري ؛ فإنّ العلم الحضوري للنفس بذاتها مثلًا علمٌ بسيط لا يوجد فيه تركيب ، فأنت تشعر بذاتك وأنك موجود ، ونفس هذا الشعور هو شعور بسيط إحساسي ، وهو غير أن تقول : أنا موجود ؛ لأنّ قولك : أنا موجود ، هو علم حصولي وليس حضورياً ، لكنّ نفس الإحساس الباطني بوجود ذاتك هو علم حضوري ، وهو بسيط ؛ لهذا أراد الطباطبائي أن يميّز بين الرؤية والفكر ، بأنّ الرؤية تتعلّق بمفرد بسيط عيني خارجي وجودي ، ولهذا يقولون بأنّ العلم الحضوري يقوم على مبدأ الوجود ؛ لأنّ المعلوم يحضر بوجوده عند العالم ، أما العلم الحصولي فيقوم على مبدأ الماهية ؛ لأنّ الشيء لا يحضر عنده فيه ، وإنما تأتي صورة ذهنية عنه .
فبالتمييز بين الفكر والرؤية أراد الطباطبائي أن يُثبت العلم الحضوري في المعراج ، ليقول بأنّ هذه التجربة التي حصلت مع النبي هي من نوع التجارب العرفانية ، بل الأرقى منها .
وهذا كلّه مبنيٌّ على أنّ كلمة ( ما رأى ) فاعلها هو القلب ، أي ما كذب الفؤاد - وهو القلب - في الشيء الذي رآه القلب . أما لو قلنا بأنّ فاعل رأى هو النبي محمّد بحواسه ، فيكون المعنى : لم يكذّب فؤادُ محمد ما رأته عيناه ، وهذه الكلمة تعني في اللغة العربية أنه لم يتخيّل ، وأنّ ما رآه كان حقيقةً ، وأنه لم يشكّ في حقّانية ما اطّلع عليه .
وأمّا قضيّة الروح والجسد ، فإنّ الإسراء حصل بالروح والجسد ، أما المعراج فهناك خلافٌ فيه ، ولعلّني أذكر أنّ العلامة الطباطبائي يرى أنّ العروج الملكوتي كان بالروح ، وأما هذه الأشياء التي رآها فهي من تمثلات عالم المثال عندهم ؛ لأنّ
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 98
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٨