تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
المعاصي والخروج عن السلوك السويّ ؛ لأنّ الآيات التي تنفي سلطنة الشيطان تنظر إلى موضوع الوسوسة والانحراف ولا تنظر إلى سائر القضايا التكوينية ، فقد يسيطر الجنّ أو الشيطان على بدن الإنسان فيحدث فيه مرضاً ، وهذا الجانب لم تتعرّض له تلك الآيات المتحدّثة عن نفي سلطنة الشيطان على بني آدم ، ولهذا لمّا نفى الشيطان سلطانه على الناس قال :
( إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ )
، فالحديث عن دائرة السلطنة في إطار العلاقة مع الله والانحراف عن هذه العلاقة لا في كلّ الأطر التكوينيّة . ومن هذا المنطلق ، فكما تسيطر الظروف التكوينية في الجسد الإنساني نتيجة عوامل قهريّة على الإنسان ، فتفقده قدرة السيطرة على نفسه وكأنّه محكوم لنظام قهري ، كما لو وقع صوت انفجار ضخم بالقرب منه فأصيب بمرض عصبي مزمن ، كذلك يمكن أن يكون للجنّ مثل هذه التأثيرات ، لكن لا يوجد عندنا أيّ دليل ديني على إثبات وقوع مثل هذا الشيء ، كما لا يوجد - بحسب قراءتي - دليل ديني على نفي وقوع هذا الشيء . ومن هنا ، عندما نواجه ظواهر ادّعاء قضايا من هذا النوع ، فليس من يجيبنا عن هذا الموضوع هو عالم الدين فقط ؛ لأنّ هذه الأمور ليست دينيةً فقط ، بل هي مما يستطيع الدين والعلم معاً أن يعطيا تصوّراً فيها ، فربما كانت الكثير من هذه الأمور أمراضاً عصبيّة ، وربما استطاع علماء النفس والمعالجون النفسيّون والأطباء أن يفسّروا بعض هذه الظواهر بطريقة عادية دون حاجة لافتراض وجود جنّ ، لكن ينبغي أن لا نكذّب الأمر لمجرّد أنّه لم يثبت لدينا . وخلاصة القول : إنّني لا أرى دليلًا - على المستوى الديني - يثبت أو ينفي مطلق أشكال تأثير أو تلبّس الجنّ بالإنسان وأمثال ذلك ، فلابدّ من الرجوع إلى