اللحظة الحاضرة - تعني تمزيقاً لكلّ أنواع اللحمة الاجتماعيّة ، وتفتيتاً لكلّ أشكال الالتزام الديني والأخلاقي والقيمي وغير ذلك .
ما يبدو لي أنّ التاريخ يجب أن يُقرأ ، ومن حيث المبدأ لا يحقّ لأحد أن يمنع الناس من قراءة التاريخ كما تراه مناسباً ، ولكي أكون واضحاً ومنسجماً مع نفسي أرى أنّه حتى الشيعة لا يصحّ منهم منع الناس من ممارسة قراءة نقديّة - بطريقة علمية وأخلاقيّة - حتى لتجربة أئمّتهم ، ما دام الآخر لا يرى لهم القداسة والإمامة ، ومن حقّهم الردّ عليه ونقده والدفاع عمّا يرونه صحيحاً . كذلك الحال في قضية الصحابة عند أهل السنّة ، حيث لا معنى لكمّ الأفواه عن نقد من لا يراه الآخرون عدلًا ولا معصوماً ولو كنت تراه أنت كذلك .
والمهم هنا هو التمييز بين حالتين ، فنحن مع القول بعدم تجريح رموز الطرفين ، لكنّ عدم التجريح لا يعني عدم النقد ، فمن حقّنا أن ننتقد أيّ شخص غير معصوم في فعل فعله أو قول قاله لا نراه صائباً ، لكنّ التجريح ممنوع ولو بالعنوان الثانوي ، ومنع التجريح مقدّمة لتقارب المسلمين ، وبهذا نتحمّل من جهة مسؤوليّة إقناع بعض المسلمين بعدم تجريح رموز الآخرين ، ومن جهة ثانية نتحمّل مسؤولية إقناع الفريق الآخر ومحاولة ترويضه على تقبّل نقد الصحابة والتابعين وأمّهات المؤمنين . فالمهمة مزدوجة لتحرير العقل من الاستلاب الفكري هناك والعقدة التاريخية هنا .
وقناعتي هي أنّ أكبر خطر يتهدّد العقلاء في السنوات الأخيرة هو الانجرار خلف المذهبيين والحرفيّين ودعاة الفتن المذهبيّة ، ونجاح هؤلاء التكفيريين ودعاة سفك الدماء في استدراج عقلاء المسلمين إلى نوعية مساجلاتهم ، فنحن نسقط الوعي العقلاني عندما نجرّه إلى هذا النوع من الاستفزاز ، وينبغي أن
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 533
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٣٣