ورقي ورفعة شخصية الإمام من الناحية الروحية والمعنوية ، وهذا - السمو والرقي والرفعة - يعني اختيار الإمام سابقاً للسلوك الأفضل والأقرب إلى الله من سخاء وكرم وشجاعة وعفّة . . وغير ذلك . وبعبارة أخرى : إننا لو حلّلنا ( علم ) المعصوم لوجدنا أنه حصل عليه تبعاً لما تضمّنت ذاته من ( سموّ روحيّ ) ، وهذا الأخير يبتني في مرحلة سابقة على أنه لن يختار في أيّ واقعة قدّرت له إلا ما هو خير وفضيلة ، سواء كان سخاء أو كرماً أو صبراً أو إقداماً على التضحية بنفسه في سبيل الإسلام أو غير ذلك ، وبالتالي فإنّ علمه مدين لاختياره المسبَّق الذي يعلمه الله تعالى منه ، وعندما تحين الواقعة ويختار ما هو الأفضل يكون اختياره هذا تطبيقاً لتلك الملكة الروحية السامية التي ولدت العلم وليس فرعاً للعلم ذاته . وهو نظير ما لو تجنّبت شرب سائل ما نتيجة لعلمك بأنه سام فهل يمكن أن يقال لك : لا فضيلة لك في عدم تعاطيك هذا المصداق من السمّ ؛ لأنك كنت تعلم مسبقاً أنّه سام ؟ . . لا يمكن أن يقال لك ذلك ؛ لأنّ نفس علمك هو عبارة عن تفحّصك السابق لأنواع السموم واجتهادك في عدم تعاطيها ، وبالتالي فإنّ امتناعك في هذا المصداق كان تطبيقاً لإجتهادك المذكور الذي ولَّد العلم لديك ، وكذلك علم المعصوم . يضاف إلى ذلك - ثانياً - أنّ المعصوم يعلم بعض الأحداث قبل وقوعها بنحو قابل للتغيير . لأنّ القضاء منه محتوم ومنه غير محتوم ، ومن هنا نعرف أن علم المعصوم ليس جميعه على نمط واحد ، فمنه ما لا يتغيّر ومنه ما يتغيّر ، وليس لدينا اطّلاع على أنّ الأحداث التي تعدّ فضائل له مما لا يجري فيها التغيير حتى نطلق الحكم بأنّ علمه بها يمنع من عدّها فضائل له . ولو عدنا مثلًا إلى حادثة مبيت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على فراش النبي ، وهي إحدى فضائله الشامخة ، لما عرفنا ، نحن على الأقل ، طبيعة علم الإمام بها ، وهل أنها مما يقبل التغيير أو أنها من القضاء المحتوم ؛ وعليه فليس بوسعنا نكران كونها
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 52
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢