الذي ينسجم مع الصورة التي نحكي عنها هو لو علم الإمام أنّ ما في الكأس ليس بسمّ ، والناس ظنّته سمّاً ، وأقدم عليه ، فسوف تعظّمه الناس ، لكنها لو علمت أنّه كان عالماً بعدم كونه سمّاً ؛ لخبرته بالسموم ، فسوف يلغون فضيلته حينئذ .
ثانياً : لنفرض أنّ القضاء محتومٌ وغير محتوم ، وأنّ الإمام يعلم بالقضاء ، لكنه لا يعلم بأنّه محتوم أم لا . ولنسلّم بأنّ هذا لا يضرّ بعلمه ، لكن إذا شككنا أنّ علمه بعدم موته لو دخل الفراش ، هل كان بالنسبة إليه من العلم بالقضاء المحتوم أم لا ؟ فإنّ شكّنا هذا بنفسه يُعجزنا ويثبّطنا عن إثبات الفضيلة له ؛ وذلك لأنّه لو كان علمه من العلم بالقضاء المحتوم لم يكن فضيلة ، ولو كان من العلم بالقضاء غير المحتوم كان فضيلة ، وحيث إنّنا نشك بأنّ علمه هل هو من العلم بالقضاء المحتوم أم لا ، فهذا يعني أنّنا نشك في أنّ ما صدر منه فضيلة أم لا ، وهذا لا يثبت له الفضيلة بل يثبت احتمال الفضيلة ؛ لأنه يجعلنا نشكّ : هل له فضيلة أم لا ؟ وما دمنا لا نعرف أنّه من العلم بالمحتوم أو لا ، فلا نحرز الفضيلة ؛ فالاستدلال المشار إليه أعلاه في جواب السؤال مقلوبٌ ؛ لأنّ الكلام في إحراز الفضيلة التي يفترض أنّ الأصل هو عدمها ، وبهذه الطريقة لا تحرز الفضيلة ، بل نحرز احتمالها ، فغاية ما نثبته بطلان نفي الفضيلة ، لا إثبات واقع الفضيلة ، فليتأمّل جيّداً .
ولعلّه لذلك جاء في عبارات المجيب أعلاه أنّه لا يصحّ إنكار الفضيلة ، مع أنّ المشكلة الأصليّة تكمن في إثباتها ، لا في قضيّة إنكارها .
ثالثاً : يبدو لي أنّ الجواب الثالث المشار إليه أعلاه غير نافع أيضاً في ردّ سؤال السائل ؛ لأنّنا نشكّ في أنّه هل أراد العلم بهذا الأمر وأنّه سيقتل أم لا ؟ فإن أراد
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 54
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٤