المفترون : القرآن من صنع محمّد ، لا من وحي اللَّه » .
ومركز المناقشة في إشكالكم يكمن في أنّك عندما تريد أن تحاكم نسبة كتاب مثلًا إلى شخص ، فأنت لا تأخذ كلّ سطر في الكتاب ، وتقول يحتمل أنّه له ، بل تأخذ مجموع معطيات الكتاب أو أغلبها ، ثم تتحدّث عن نسبتها إلى هذا الشخص ومديات احتمال كون الكتاب له . وهذا أمرٌ يصبح بعيداً في حقّ شخص مثل محمّد ، مثلًا لو فتحت الآن كتاب رأس المال لماركس ، وهو في عدّة مجلّدات ، أو فتحت كتاب قصّة الحضارة لويل ديورانت ، وهو في عشرات المجلدات المليئة بالقصص والأخبار والوقائع ، فمن الممكن أن تأخذ قصّةً وتقول بأن ديورانت قد سمعها بشكل عفوي من مجتمعه ، وكذلك من الممكن أن تضع يدك على قصّة أخرى وتقول بأنّه من الممكن أنّه سمعها من جدّه نقلًا عن الأجيال السابقة ، لكن عندما تأخذ كتاباً كاملًا مثل هذا ، ثم يقال لك بأنّه ألّفه شخص أعرابي قبل مائتي سنة ، وكان يعيش في منطقة خالية في وسط الصحراء في الجزيرة العربية مع أمثاله من البدو ، وأنّه لا يعرف القراءة والكتابة ، وأنّه لم يتلمّذ عند أحد ، وأنّه وإن كان من الممكن أنّه التقى يوماً بشخص مسيحي هنا وآخر هناك أو نقل له شيوخ عشيرته من البدو بعض القصص ، لكنّ احتمال أنّه جمع كلّ هذا في ظلّ هذا الوضع يغدو احتمالًا ضئيلًا جدّاً .
هذا ما يريده العلماء تقريراً لهذه الآية الكريمة وأمثالها . وأهل مكّة لم يكن لديهم علم بعلم أهل الكتاب ، ولا يوجد بينهم وبينهم احتكاك ؛ لأنّ ثقافة المكّي والمشرك عموماً ليست ثقافة تاريخية نبويّة ، بل ثقافة تاريخيّة عربية قبليّة ، وهذه نقطة مهمّة للغاية ، فلم يكن لدى المكّي موروث شعبي يتصل بتاريخ ديني باستثناء الحجّ ومظاهره ، على خلاف الحال مع أهل المدينة الذين عرفوا اليهود
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 43
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣