له ذلك لكان ذلك حجاباً ، فهذا سليمان النبي عليه السلام قد حاز مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، واستجاب الله له ، ومعنى الاستجابة - بحسب سياق الآيات - أنّه لن يحظى أحد بمثل ملك سليمان . بل الأئمّة أنفسهم لو حازوا كلّ ما يحوزه الأنبياء السابقون للزم كونهم أنبياء ، فالنبوّة من أعظم ما حازه الأنبياء أيضاً ، مع أنّ الأئمّة ليسوا أنبياء ، فمعنى التفضيل أنّ لهم عند الله درجةً أرفع ، وهم أقرب إليه من غيرهم ، وأصفى روحاً وأطهر سريرةً ، وأنّهم أوكلت إليهم المهمّة العظمى ، وهي وصاية النبوّة الخاتمة ( وما أدراك ما وصايتها ) ، لكن ليس معنى ذلك بالضرورة أنّ كلّ ما عند غيرهم فهو عندهم ، حتى لو كان النبي سليمان غنياً في المال فلابدّ أن يكون عليٌّ مثله ، وإلا كان أنقص منه .
نعم من الممكن أن نقول بأنّهم لو أرادوه مثلًا لصار عندهم لكنّهم لم يريدوه ، فما ضرّ عليّاً لو لم يعلم بصنعة إصلاح أعطال السيارات ؟ وما ضرّه لو كان فقيراً أوليس له سلطان يمارسه على الإنس أو الجنّ ؟ هل هذا يؤثر في مكانته عند الله تعالى ؟ ولعلّه لهذا هو لا يطلبه من ربّه ، ولا يعير له بالًا ، ولو طلبه لاستجاب له سبحانه .
إنّ الصفات والفرص التي تتوفّر للمعصومين لا ترجع كلّها إلى أشخاصهم بالضرورة ، بل بعضها يرجع للظروف الموضوعية في حاجة هذا المعصوم لأن يكون غنيّاً ، وحاجة ذاك لأنّ يكون عالماً بما في النفوس ، وحاجة ثالث لأن يكون قويّ الجسم والبنيان ، وحاجة رابع لأن يكون زعيماً في قومه ، فلو كان كلّ واحد منهم على عكس الآخر في هذا ، فهذا لا يوجب سقوط الأولويّة كما هو واضح .
نعم ، لو دلّ النصّ الحجّة على علمه بكلّ شيء لزم التسليم به ، أمّا حيث يدلّ النصّ القرآني على عدم علم الأنبياء بالغيب إلا بعضه مما يحتاج لدليل لإثباته له
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 41
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١