العرفي للنصوص الدينية ، ويشهد لذلك أنّك تراهم في مباحث الحجج من علم الأصول قد طرحوا بحثاً مستقلًا لمسألة حجيّة الظهور ، وبرهنوا عليها ودافعوا عنها ، وتجدهم في أبحاثهم التطبيقية في الأصول والفقه يتناقشون في الفهم العرفي ، فيردّ أحدهم على الآخر فهمه بأنّ ما استنتجته مخالف للفهم العرفي ، بينما يدافع الآخر عن فهمه بإثبات أنّ العرف يفهم المعنى الذي فهمه هو ، وهكذا ، وهذا الشيء لم يفعله بهذه الطريقة الفلاسفة ولا العرفاء وكذا كثيرون غيرهم ، هذا كلّه من الناحية النظريّة .
إلا أنّ الإشكاليّة التي تُطرح هنا هي أنّ الأصوليّين في إطار ممارستهم الأبحاث اللغويّة ، لاسيّما في القرون الهجريّة الأربعة الأخيرة ، أفرطوا في استخدام المنهج العقلي في الفهم اللغوي ، أي أنّهم بالغوا في فهم تراكيب الألفاظ وبنياتها باستخدام المنهج العقلي القواعدي ، وهذا ما أوحى - شيئاً فشيئاً - بأنّ فهم اللغة تحوّل إلى عملية معقّدة ، كما أوحى بأنّ فهم الكتاب والسنّة يحتاج إلى العشرات من القواعد والأدوات المبرهن عليها في محلّها ، وأنّ هذه القواعد قد تشتبك أثناء التطبيق ، وعلى المفسّر والفقيه أن يحلّ هذه المعضلة ويفكّ هذا الاشتباك ، وهذا ما خلع على فهم النص لباساً ذو سمةٍ عقليّة فلسفيّة تعتمد التعامل مع القواعد أكثر من اعتمادها عفويّة اللغة ، وجرّ ذلك إلى أن يتعامل الأصولي والفقيه ميدانيّاً بطريقة هندسية معقّدة ، تحدّد الزوايا أكثر ممّا تدوّرها .
ويمكن أن نعطي هنا أمثلة توضح الغياب النسبي للفهم العرفي بسبب هذه الآلية في النشاط الأصولي ، فالروايات الواردة تفيد أنّ صلاة الوتيرة يؤتى بها بعد صلاة العشاء الآخرة ، وهنا قال بعض الفقهاء بأنّ المكلّف لو صلاها قبيل الفجر صحّت منه ، والدليل عنده صدق البَعْدِيَّة ، بمعنى أنّه يصدق على الوتيرة أنها قد
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 419
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٩