تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
القرآني لا يفيد علم العبد الصالح بمثل هذا الشخص ، بل يفيد خشيته من أن يلحق بالوالدين المؤمنَين كفرٌ وطغيان من هذا الغلام ، إمّا بظلمه لهما أو بجرّه لهما إلى الكفر الذي هو عليه ؛ لشدّة حبّهما له ، على احتمالين في تفسير الآية الكريمة . والخشية ليست علماً بالضرورة ، فالغلام - وهو شابٌ يافع - كانت تظهر عليه أمارات الانحراف ، فحصلت الخشية للعبد الصالح أن يضلّ والديه أو يظلمهما ، فأريد الحفاظ عليهما ، في حين كان الغلام طاغيةً كافراً ، وهذه الخشية سمحت للعبد الصالح أن يقتله ، وليس في الآية أنّه علم أنّه سيحصل هذا من هذا الغلام . فإن قلت : فكيف جاز له قتله مع أنّه لم يرَ في نفسه سوى الخشية دون العلم ؟ قلتُ : إنّ قتله إذا كان جائزاً في شريعة العبد الصالح بحسب ما أوحى الله تعالى إليه ، فيجوز لو تحقّقت الخشية ويجوز لو تحقّق العلم ، ففي حالة العلم يبقى هذا السؤال أيضاً ، وهو أنّه كيف قتله مع أنّه سوف يُلحق الضرر بوالديه ؟ أي إنّه قتله على جرمٍ لم يقع منه بعدُ ، فالإشكال يأتي على افتراضَي : الخشية والعلم معاً ، وما دام يحتمل أنّه في شريعة العبد الصالح يجوز قتل الشاب اليافع للعلم بأنّه سيفسد والديه لاحقاً ، فمن الممكن إذاً أن يجوز في شريعة العبد الصالح قتله مع احتمال ذلك احتمالًا قويّاً موجباً للخشية ، فما المانع إذاً من ذلك ؟ ! رابعاً : سلّمنا أنّ هذه الآيات تفيد أنّ العبد الصالح كان يعلم بحال الغلام لو كان كيف سيكون ، لكنّ هذه القصّة لا تفيد علمه بالغيب بنحو مطلق ، بل تفيد علمه ببعض الغيب ، وهو غيب النفوس ومستقبل الأشخاص ، إن لم نقل بأنّه يعلم بخصوص غيب نفوس الأشخاص الذين يلتقي بهم ، فهذا هو أبعد مدى يمكن توسعة دلالة الآيات إليه ، لكن هل يمكننا من قصّة العبد الصالح إثبات أنّه كان يعلم كلّ الغيب بما في ذلك ما يجري في كلّ العوالم أو أنّه كانت له الولاية
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 38 | حيدر حب الله